التكيف المرهق: حين نتعلم البقاء في أماكن لا تشبهنا

موند بريس / دة: سعاد السبع

لا يُقاس التكيّف دائما بقدرته على حفظ التوازن، فثمة تكيّفات تُنقذ الشكل بينما تُنهك الجوهر. في هذا الهامش الصامت من التجربة الإنسانية، يتكوّن ما يمكن تسميته بـ “التكيّف المُرهِق”، ذلك النمط من العيش الذي نتقنه بدافع البقاء، لا بدافع الانسجام، فنؤدي أدوارنا بكفاءة ظاهرة بينما تتآكل علاقتنا بذواتنا في العمق.

يشير هانز سيلي رائد أبحاث الضغط النفسي إلى أن الجسد والعقل صُمِّما للتعامل مع التوتر كحالة عابرة، لا كإقامة دائمة. فحين تطول حالة التكيف مع الضغط تتحول الاستجابة الوقائية إلى مصدر استنزاف ويغدو الإنسان حسب تعبيره عبارة عن “ضحية نجاحه في التكيّف”. هنا لا يحدث الانهيار فجأة، بل يتسلل الإنهاك في صمت متخفّيًا خلف مظاهر الأداء والاستمرارية.

فمن زاوية التحليل النفسي يذكّرنا كارل غوستاف يونغ بأن التكيّف القسري مع بيئة لا تنسجم مع البنية النفسية للفرد يفرض عليه ارتداء “قناع اجتماعي” (Persona) يتضخم مع الوقت، بينما تتراجع الذات الحقيقية إلى الخلف. وكلما طال أمد هذا القناع، ازدادت الفجوة بين ما نعيشه وما نحن عليه، وهي فجوة وصفها يونغ بأنها من أخطر منابع القلق والاضطراب الداخلي لأنها تضع الإنسان في حالة اغتراب عن نفسه دون أن يدرك ذلك بوضوح.

وفي السياق الاجتماعي لا يولد التكيّف المرهق من فراغ، بل يتغذّى على منظومات تُكافئ الامتثال وتجرّم الاختلاف. بحيث يوضح بيير بورديو أن العنف الرمزي هو ذاك الذي يُمارَس بلا قسر ظاهر، حين يُدفع الفرد إلى قبول شروط مجحفة لأنها تُقدَّم باعتبارها “طبيعية” أو “ضرورية”. وفي ظل هذا العنف الناعم يتعلّم الإنسان أن يتكيّف لا لأنه مقتنع، بل لأنه يخشى كلفة الرفض: الإقصاء، فقدان الاستقرار أو الوصم الاجتماعي.

وتظهر ملامح هذا التكيّف بوضوح في بيئات العمل، حيث يُطلب من الفرد أن يكون مرنًا بلا حدود، متاحا نفسيا باستمرار، وقادرا على كبت اعتراضاته باسم الاحترافية. كما يتجلى داخل الأسرة حين يتحول الصبر إلى واجب أخلاقي يُفرض على طرف واحد، أو داخل العلاقات حين يُعاد تعريف التنازل باعتباره حبًا، والصمت باعتباره نضجا.
وهنا يحذّر إريك فروم من الخلط بين التكيّف الصحي والتكيّف المرضي، مؤكدا أن المجتمع قد ينجح في تطبيع أنماط عيش تُنتج أفرادا “متوافقين اجتماعيا لكن معطوبين إنسانيا”.

أما علم النفس الوجودي فيذهب أبعد من ذلك، معتبرا أن أخطر ما في التكيّف المرهق هو تآكل المعنى. ويرى فيكتور فرانكل أن الإنسان يستطيع احتمال ظروف قاسية إذا وجد فيها معنى، لكنه ينهار حين يُجبر على الاستمرار في سياق لا يفهم جدواه ولا ينسجم مع قيمه. والتكيّف المرهق في جوهره هو إقامة طويلة في فضاء بلا معنى، حيث يستمر الجسد في الحضور بينما تنسحب الروح تدريجيا.ومع الوقت لا يبقى هذا الانسحاب بلا أثر.
وتشير دراسات علم النفس الصحي إلى أن التكيّف المزمن مع بيئات غير داعمة يرتبط بارتفاع مستويات القلق، اضطرابات النوم، الإجهاد النفسي بل وحتى أعراض جسدية لا تجد تفسيرا طبيا واضحا. وكأن الجسد – حين يعجز الصوت – يتولى مهمة الاحتجاج. وهو ما لخصه الطبيب النفسي غابور ماتيه بقوله إن الجسد يقول “لا” حين تعجز النفس عن ذلك.

المفارقة المؤلمة أن المجتمع غالبا ما يكافئ هذا النوع من التكيّف. فالشخص المرهق يُشاد بصبره، وتُضرب به الأمثال في التحمل، ويُطلب منه المزيد لأنه “قادر”. وهنا تستحضر حنة آرندت تحذيرها من تطبيع المعاناة حين يتحول الاعتيادي إلى معيار أخلاقي، ويُطلب من الأفراد التكيّف بدل مساءلة الشروط التي أنهكتهم أصلا.

غير أن الخروج من التكيّف المرهق لا يبدأ بالضرورة بالانسحاب أو المواجهة، بل بالوعي. الوعي بأن هذا الثمن باهظ، وأن الاستمرار ليس دائما دليل صحة. فالاعتراف الداخلي هنا فعل شجاعة، لأنه يعيد للذات حقها في السؤال: هل هذا المكان يشبهني؟ هل هذا الدور يعبر عني؟ وهل ما أتحمله اليوم هو نمو… أم استنزاف مؤجل؟

و يظل التكيّف مهارة إنسانية نبيلة حين يخدم الحياة، لكنه يتحول إلى عبء حين يُستخدم لإلغاء الذات. فليس المطلوب من الإنسان أن يتكيّف مع كل شيء، بل أن يميّز بين ما ينمّيه وما يستنزفه. لأن البقاء في أماكن لا تشبهنا قد يكون ممكنا، لكنه غالبا ما يكون على حساب شيء أعمق… شيء لا يُرى، لكنه يُستنزف بصمت.

 

قم بكتابة اول تعليق

اترك رد