الغيرة المرضية: هشاشة الداخل وضغط الخارج

موند بريس / بقلم: دة.سعاد السبع

الغيرة ليست مجرّد انفعال عابر، بل بناء معقّد يتشكل عند نقطة التقاء بين النفس والمجتمع. إنها شعور قد يظهر في البيت والعمل والشارع والمؤسسة، مثل ظلّ يتبع الإنسان عندما يشعر أن قيمته أو مكانته أو حضوره مهدَّد بوجود آخرين. ورغم أن هذا الانفعال إنساني، فإن تضخّمه يحوّله إلى ضغط داخلي يُربك العلاقات ويشوّه الإدراك. وقد لخّص عالم الاجتماع زيغمونت باومان هذا المعنى بقوله:
“في عصر المقارنات المستمرة، لا يغار الفرد مما عند الآخرين… بل مما يظن أنه كان يجب أن يكون عنده.”

أولا: المقاربة النفسية – الغيرة كصوت لهشاشة داخلية

1. الغيرة ليست قوة بل خوف داخلي

يرى عالم النفس ألفرد أدلر أن السلوكيات التعويضية —ومنها الغيرة— تنشأ حين يشعر الفرد بأنه أقل قيمة من الآخرين، فيلجأ إلى انفعالات دفاعية لتغطية الإحساس بالنقص.
وتقول الباحثة ميلاني كلاين إن الغيرة “مرآة مبكّرة لقلق الحرمان”، فهي تنبع من خوف داخلي من فقدان الحب أو التقدير.

2. الجروح المبكرة كمحرّك خفي

الطفل الذي عاش مقارنة أو إهمالا أو حبا مشروطا يتعلم أن “الآخر دائما هو المفضل”. وفي الرشد تنشط ذكريات غير واعية كلما رأى شخصا يُثنى عليه أو يُقدّر.
يرى جون بولبي رائد نظرية التعلّق أن أنماط الارتباط المبكر تبقى حاضرة في كل العلاقات، فتظهر الغيرة عند من عاش ارتباطا غير آمن.

3. تقدير الذات… أو غيابه

يؤكد كارل روجرز أن الفرد الذي لا يمتلك صورة إيجابية عن ذاته يرى كل نجاح خارجي تهديدا مباشرا.
بينما يوضح إريك فروم أن المقارنة المستمرة تجعل الإنسان “أسيرا لعيون الآخرين”، فيغار لأن قيمته تتحدد خارج ذاته لا داخلها.

4. تضخيم الواقع وصناعة السيناريوهات

يسمي آرون بيك (مؤسس العلاج المعرفي) هذا النمط من التفكير بـ Catastrophizing أو “التفكير الكارثي”:
حيث تكبر إنجازات الآخرين في ذهن الشخص الغيور، بينما يصغر تقديره لنفسه فتُخلق فجوة وهمية تشعل الانفعال.

ثانيا: المقاربة السوسيولوجية – كيف يصنع المجتمع بيئة خصبة للغيرة؟

1. عصر المقارنات اللانهائية

يقول عالم الاجتماع بيير بورديو إن “رأس المال الرمزي” —أي المكانة والظهور والاعتراف— أصبح جزءا من تقييم الفرد اجتماعيا.
ومع وسائل التواصل الاجتماعي أصبح كل إنجاز معلنا، وكل خطوة متاحة للعرض، فازدادت المقارنات واشتد الشعور بالنقص.

2. التنافسية المهنية

تُنبه الباحثة آرلي راسل هوتشيلد إلى أن بيئات العمل الحديثة تقوم على ما تسميه “اقتصاد العواطف” حيث المشاعر جزء من الإنتاج.
وفي هذه البيئات تصبح الغيرة المهنية آلية دفاعية للحفاظ على الفرص فتظهر عبر:
* التشكيك في كفاءة الآخرين،
* تعطيل المبادرات أو إضعاف سمعة الشخص المتفوّق.

3. تمثّلات المكانة الاجتماعية

وفقا لأنتوني غيدنز تقع الغيرة ضمن التفاعلات اليومية التي تنتج عن “الوعي بالذات في مجتمع سريع التغير”.
فالإنسان أصبح يقارن ذاته بمئات النماذج حوله مما يعمّق هشاشته الداخلية.

4. حين يتجذر مفهوم النجاح في نظرة المجتمع

يرى إميل دوركايم أن المجتمع يفرض “معايير جماعية للسلوك”، وهذه المعايير حين تكون قائمة على التفوق الظاهر تنتج غيرة مرضية لأنها تجعل القيمة مسألة منافسة لا نموّ.

ثالثا: أشكال الغيرة المرضية في الحياة اليومية

1. الغيرة المهنية

لا تتجلى في الصراع المباشر فقط، بل في الصمت، الانسحاب، الإقصاء أو محاولة تقليل قيمة الآخر.

2. الغيرة الاجتماعية

بين الأصدقاء، الإخوة، الجيران أو أفراد المجتمع، وقد تكون أخطر لأنها تتخفى وراء المجاملات.

3. الغيرة المالية أو المادية

يرى بورديو أن التنافس على الرأس المال الاقتصادي أحد أبرز مولدّات الغيرة الاجتماعية.

4. الغيرة الوجودية

حين يغار الفرد من شخصية الآخر، لا مما يملك.
يغار من حضوره، عمقه، طيبته أو حب الناس له.
وهو ما يسميه إريك فروم بـ “الغيرة من الوجود لا من الامتلاك”.

رابعا: سبل ترشيد الغيرة المرضية

1. الاعتراف بالمشاعر بدل إنكارها: يؤكد كارل يونغ أن ما ننكره يسيطر علينا، وما نعترف به نتحرر منه.

2. تطوير الذات بدل مطاردة الآخرين: يرى ألفرد أدلر أن الإنسان لا يحتاج لمحاربة الآخرين كي ينجح، بل يحتاج لنسخة أقوى من نفسه.

3. مراقبة الأفكار المشوّهة: وفقا لآرون بيك فتعديل الفكرة يخفف الانفعال ولو بنسبة كبيرة.

4. تعزيز الثقة بالنفس:
فكلما زادت القوة الداخلية تراجعت حساسية المقارنات.

5. بناء بيئة اجتماعية صحية: مجتمع يُقدّر التعاون لا التنافس، يشجع على الإنجاز بدل التضييق.

6. الحد من الفضاءات التي تغذي المقارنة: خاصة الفضاء الرقمي الذي يضخم اللحظات ويخفي النقص.

الغيرة المرضية ليست قدرا، بل نتيجة تفاعل بين هشاشة داخلية وضغط خارجي. وهي تنحسر عندما يمتلئ الفرد من الداخل، ويعرف قيمته بعيدا عن عيون الآخرين.

يقول إريك فروم:”حين تتحرر من المقارنة تتحرر من الغيرة… وتبدأ أخيرا في ملاحقة ذاتك، لا ظل الآخرين.”

قم بكتابة اول تعليق

اترك رد