موند بريس / بقلم: دة.سعاد السبع
يولد الطفل صفحة بيضاء، نقية الملامح، يحمل استعدادا لتلقّي أولى بصمات الوجود من محيطه الأسري حيث تتشكل البذور الأولى للشخصية، وتُرسم الخطوط العريضة للاتزان النفسي أو الاضطراب السلوكي. فالأسرة ليست مجرد إطار اجتماعي يحتضن الطفل، بل هي بيئةٌ وجدانية تنسج ملامح روحه، تُغذي فكره وتؤطر تفاعله مع ذاته والعالم من حوله.
الدينامية الأسرية كمحرك أول للسلوك.
في علم النفس الأسري يُنظر إلى الأسرة كنظام دينامي متكامل، فكل تغيير في أحد أعضائها ينعكس على البقية. لذلك فإن توتر العلاقة بين الوالدين، أو اضطراب التوازن في توزيع الأدوار، أو ضعف التواصل الوجداني كلها عوامل تُترجم في سلوك الطفل على شكل قلق، عدوانية أو انسحاب اجتماعي.
الطفل لا يعيش الأحداث بمعناها الظاهر فحسب، بل يمتصّ الشحنات الانفعالية التي ترافقها. فحين يسود الحوار والتعاون داخل البيت تتكوّن لدى الطفل صورة آمنة عن العالم تجعله أكثر قدرة على ضبط انفعالاته والتفاعل بإيجابية مع الآخرين. أما حين تغيب الثقة أو تسود النزاعات المستمرة يعيش الطفل حالة ارتباك داخلي تجعله يعيد إنتاج تلك الصراعات في محيطه المدرسي أو الاجتماعي.
الأبوان… أول مرآة نفسية للطفل.
العلاقة بين الأب والأم ليست مجرد رابطة زوجية، بل هي المدرسة الأولى التي يتعلم منها الطفل معنى القرب، حدود الحوار ومفهوم الاحترام.
فالأم تمثل لديه الأمان العاطفي، والأب يجسد الشعور بالحماية والانتماء، وعندما يختلّ هذا التوازن تتشوه صورة الذات لدى الطفل.
فالطفل الذي يرى والديه يتحدثان بودّ واحترام حتى عند الاختلاف يتعلم أن الخلاف لا يعني الخصومة، وأن الصراخ ليس وسيلة لإثبات الذات.
في المقابل حين يشهد الإهانات أو العنف اللفظي تنطبع تلك المشاهد في ذاكرته الانفعالية لتصبح مرجعا لا واعيا في تفسير العلاقات لاحقا.
ولهذا نجد بعض المراهقين يعانون من حساسية مفرطة تجاه النقد أو الخلاف، لأنهم ارتبطوا منذ الطفولة بفكرة أن الخلاف يساوي الخطر.
السلطة الأبوية بين التربية والتسلّط.
من أبرز ما يؤثر في التكوين النفسي للطفل هو شكل السلطة الأبوية داخل البيت. فالسلطة الصارمة تُنتج شخصية خائفة أو متمرّدة، في حين أن التساهل المفرط يُضعف الإحساس بالمسؤولية والانضباط.
اما التربية المتوازنة فهي التي تجمع بين الحزم والرحمة، بين القواعد المرنة والعلاقة الحانية، بحيث يشعر الطفل أنه مسموع ومحترم حتى وهو يخضع للتقويم.
فالطفل الذي يُسمح له بالتعبير عن رأيه ويُفسح له مجال الخطأ والتعلم ينمو بشخصية سوية تمتلك الثقة بالنفس. أما الذي يُربّى على الخضوع المطلق أو المقارنة المستمرة فيفقد صوته الداخلي، ويعيش في صراع دائم بين الرغبة في القبول والخوف من الرفض.
البيئة الوجدانية… لغة اللاوعي في التربية.
التربية لا تحدث فقط بالكلمات بل بما يُحسّ ولا يُقال.
فالبيت الذي يسوده التوتر أو الحزن الطويل، أو يغيب عنه التعبير عن المودة يترك أثرا صامتا في نفس الطفل. فالقلق ينتقل بالعدوى الوجدانية، والسكينة تُورث بالاحتضان والطمأنينة.
الطفل لا يملك لغة ليفسر ما يجري لكنه يلتقط نبرات الصوت، نظرات العيون وإشارات الجسد ليبني من خلالها تصوّره عن الأمان والحب والقبول. ولهذا نرى بعض الأطفال يبدون مضطربين دون سبب واضح لأن السبب في عمقه انفعال متكرر لم يجد له تعبيرا، أو طاقة مكبوتة من الخوف لم يُسمح لها بالخروج.
أثر المناخ الأسري على المهارات الاجتماعية.
الأسرة هي الحاضنة الأولى للمهارات الاجتماعية. ففي أجواء يسودها التشجيع والحوار يتعلم الطفل التواصل، الإصغاء والتعاون. أما في أسر يسودها النقد أو الصمت الانفعالي تتعطل قدرته على الانفتاح والتفاعل فيميل إلى الانعزال أو العدوانية.
وقد بينت دراسات علم النفس الاجتماعي أن الأطفال الذين نشؤوا في بيئات داعمة عاطفيا يمتلكون قدرة أعلى على حل النزاعات بطرق سلمية، ويميلون إلى احترام الآخر أكثر من أقرانهم الذين نشأوا في أجواء يسودها التسلط أو التهميش.
فالطفل يكتسب من الأسرة لغة المشاعر قبل لغة الكلمات، ومن طريقة تعامل الوالدين مع المواقف يتعلم كيف يواجه الحياة.
حين تكون الأسرة جسرا نحو النضج لا قيدا للنفس.
ليست الغاية من التربية صناعة طفل مثالي، بل إنسان سويّ قادر على الفهم والتوازن. ولأن الأبناء مرآة بيئتهم، فإن أول خطوة نحو تربيةٍ ناجحة هي إصلاح الجو العاطفي في البيت: تهدئة الصراعات، تنظيم الوقت المشترك وتخصيص مساحات للحديث والمرح.
فحين يشعر الطفل أن بيته مأوى، لا ساحة صراع ينمو داخله السلام.
كما أن الأسرة المتصالحة مع ذاتها، الواعية بدورها تُنجب أبناء قادرين على التعاطف، متصالحين مع ذواتهم، يحترمون الآخر لأنهم كبروا في بيئة احترمتهم أولا.
نحو تربية قائمة على الوعي لا التكرار.
كثير من الآباء يكررون أنماطا تربوية عاشوها دون وعي بتأثيرها. غير أن التربية الواعية تبدأ بالسؤال: هل ما أفعله اليوم يبني في ابني ما أريد أن يكون؟
فالإدراك بأن الطفل مرآة بيئته يجعل الأبوين أكثر حرصا على نقاء الجو الأسري، وعلى تحمّل مسؤولية ما يزرعان من كلمات وسلوكيات.
في النهاية لا شيء يعكس صدق المرايا كصفاء الصورة.
فإذا أردنا أبناء أصحاء في وجدانهم، أقوياء في شخصياتهم، فلنزرع فيهم الطمأنينة بدل الخوف، والحوار بدل الصراخ، والقدوة بدل الوعظ.
فالأسرة التي تتوازن في حبها وعدلها تصنع جيلا يرى العالم بقلوب مطمئنة ونفوس تعرف طريقها نحو النور.
قم بكتابة اول تعليق