موند بريس / بقلم دة. سعاد السبع
تُعد مرحلة المراهقة من أكثر المراحل العمرية التباسا في حياة الإنسان، فهي الجسر الفاصل بين الطفولة والرشد، والبوابة التي يعبر منها الفرد نحو اكتشاف ذاته، رغباته ومكانته في العالم. غير أن هذا العبور لا يكون هادئا في الغالب، بل تصاحبه عواصف داخلية من الأسئلة والتمرد والبحث عن الاستقلال، مما يجعل العلاقة بين المراهق وأسرته ميدانا تتقاطع فيه العواطف، المخاوف وسوء الفهم.
الوعي الأول… حين يستيقظ السؤال
في هذه المرحلة يبدأ المراهق في إدراك ذاته ككائن مستقل له فكره ومشاعره الخاصة.
إنه الوعي الذي يطرق الباب للمرة الأولى. يكتشف المراهق أنه لم يعد الطفل الذي يُملى عليه ما يفعل، وأن له الحق في أن يختار، يناقش ويعارض.
لكن هذا الوعي الوليد، المشحون بالعاطفة والاندفاع لا يملك بعدُ أدوات التوازن والنضج، فيتحول أحيانا إلى تمرد ظاهري يخفي وراءه حاجة عميقة للاعتراف والتقدير.
ولعلّ جان جاك روسو أوجز هذه المرحلة حين قال: يولد الإنسان مرتين، مرة حين يولد جسده، ومرة حين تولد نفسه في المراهقة.”
الأسرة بين الخوف والفقدان
بالنسبة للأسرة تمثل المراهقة مرحلة قلق حقيقي.
فالأبوان اللذان اعتادا توجيه الطفل وإحاطته بالحماية يجدان نفسيهما فجأة أمام شاب أو فتاة يشكّكان في سلطتهما، ويطالبان بالحرية والخصوصية.
تتعدد ردود فعل الأسر بين الإفراط في التشدد والرقابة بدافع الخوف، أو التهاون المفرط بدعوى الثقة. وفي الحالتين تضيع مساحة الحوار التي تشكل صمام الأمان الحقيقي لهذه المرحلة.
إنّ المراهق لا يحتاج إلى من يراقبه، بقدر ما يحتاج إلى من يفهم قلقه الوجودي، ويستوعب رغبته في اختبار الحياة بنفسه دون أن يُدان أو يُصادر.
فالأسرة التي تتعامل مع تمرده بوعي عاطفي وهدوء نفسي تساهم في بناء توازنه الداخلي، بينما التي ترد بالصدام والقمع تغذي لديه الشعور بالرفض والانفصال.
تمرد أم استغاثة؟
كثيرا ما يُساء فهم تمرد المراهق بوصفه عصيانا أو انحرافا سلوكيا، في حين أنه في جوهره صرخة وعي تبحث عن هوية.
حين يرفع المراهق صوته، أو يعارض، أو ينعزل، فهو لا يعلن الحرب، بل يطلب —بطريقته الخاصة— أن يُسمع صوته وأن يُعترف بوجوده كفرد ذي رأي ومكانة.
قد يتخذ هذا التمرد أشكالا مختلفة:
* تمرد صامت يتجلى في الانعزال أو اللامبالاة.
* تمرد علني عبر النقاشات الحادة أو السخرية من القيم الأسرية.
* تمرد سلوكي من خلال التجريب والمغامرة والبحث عن المختلف.
وفي مجملها يظل السؤال الجوهري: هل وجد هذا المراهق من يصغي له دون أن يحاكمه؟
البعد النفسي والاجتماعي
من منظور سوسيونفسي فإن التمرد في المراهقة ليس ظاهرة مرضية، بل آلية تطورية ضرورية لبناء الهوية النفسية والاجتماعية.
إنها مرحلة إعادة ترتيب العلاقة مع السلطة —سواء سلطة الوالدين أو المجتمع— حيث يسعى المراهق إلى إقامة توازن بين حاجته للانتماء وحاجته للاستقلال.
وتؤكد الدراسات النفسية الحديثة أن الأسر التي تعتمد التواصل الداعم أي الإصغاء، التشجيع، والتفاوض بدل الإملاء، تنجح في عبور أبنائها هذه المرحلة بأقل الخسائر النفسية مقارنة بتلك التي تعتمد العقاب أو التجاهل.
فالمراهق الذي يُسمح له بالتعبير، ويتعلم أن يُناقش دون خوف، سيكتسب مهارات النضج العاطفي والحوار الداخلي التي تؤهله لاحقا للتكيف مع ضغوط الحياة الراشدة.
نحو علاقة ناضجة بين المراهق والأسرة
ليست المراهقة حربا باردة بين الأجيال، بل فرصة نادرة لإعادة بناء العلاقة الأسرية على أسس جديدة من الاحترام المتبادل والثقة.
حين تدرك الأسرة أن التمرد ليس عداء بل نداء إلى الفهم، وحين يتعلم المراهق أن الحرية لا تعني الانفلات بل المسؤولية، عندها تتحول هذه المرحلة من أزمة إلى مخاض نضج.
فالأسرة ليست فقط مكانا للحماية، بل مدرسة لتعلّم الحب الواعي حيث يتعلم الأبناء كيف يكونون أنفسهم دون أن يخسروا انتماءهم، وكيف يختلفون دون أن ينفصلوا.
إنّ المراهقة بكل ما تحمله من اضطراب ودهشة ورفض، هي مرآة لبداية النضج الإنساني.
وحين يتقن الآباء فنّ الإصغاء بدل الإملاء، والتفهّم بدل المواجهة فإنهم لا يعبرون فقط بأبنائهم نحو الرشد، بل يعبرون هم أنفسهم نحو نضج أبويّ جديد.
فتمرد المراهق في جوهره ليس سوى وعي يطرق الباب بشيء من الضجيج… كي يُفتح له الطريق نحو ذاته.
قم بكتابة اول تعليق