موند بريس.
في سياق دينامية دبلوماسية متسارعة تقودها المملكة المغربية، برزت خلال الأسابيع الأخيرة مؤشرات قوية تعكس تحولا نوعيا في مقاربة المجتمع الدولي لملف الصحراء المغربية، خاصة داخل أروقة مجلس الأمن الدولي، حيث تتجه النقاشات بشكل متزايد نحو تكريس الحلول الواقعية والعملية بدل استمرار حالة الجمود.
فخلال جلسة يوم الخميس الماضي المخصصة لتقييم مهام بعثة المينورسو، لم يعد النقاش محصورا في تمديد تقني للتفويض، بل اتخذ بعدا استراتيجيا يعكس إدراكا متناميا بضرورة مراجعة شاملة لآليات تدبير هذا النزاع الإقليمي، ومناقشة المراجعة الاستراتيجية لتفويض بعثة “المينورسو”، بناءً على القرار رقم 2797.
وتفيد معطيات دبلوماسية بأن خلاصات التقارير الأممية الأخيرة تميل إلى دعم المقاربة المغربية، كما أنها حملت في طياتها مؤشرات قوية على قرب طي هذا النزاع المفتعل بما يخدم المصالح العليا للمغرب. خصوصا في ظل الاستقرار الذي تعرفه الأقاليم الجنوبية والاستثمارات الكبرى التي أطلقتها الرباط هناك.
هذا التحول لم يأت من فراغ، بل هو نتيجة تراكمات دبلوماسية قادها العاهل المغربي محمد السادس، عبر توسيع شبكة الشراكات الاستراتيجية وتعزيز الحضور المغربي داخل القارة الإفريقية وعلى المستوى الدولي. وقد تُوّج هذا المسار باعتراف قوى دولية وازنة، على رأسها الولايات المتحدة، بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، إلى جانب دعم متزايد من دول أوروبية وإفريقية وأمريكية لاتينية لمبادرة الحكم الذاتي.
وتُجمع العديد من العواصم المؤثرة على أن مبادرة الحكم الذاتي المغربي، التي تقدم بها المغرب سنة 2007، تمثل الإطار الأكثر واقعية ومصداقية لتسوية النزاع، وهو ما أكدته قرارات متتالية صادرة عن مجلس الأمن، التي وصفت المبادرة بـ”الجادة وذات المصداقية”. كما أن افتتاح عشرات القنصليات في مدينتي العيون والداخلة يعكس تحولا ملموسا في مواقف المجتمع الدولي.
في المقابل، وفي محاولة يائسة لوقف قطار التنمية والسيادة المغربية، يواصل النظام الجزائري تحركاته المشبوهة في “موسكو” و”بكين”، مراهناً على “فيتو” روسي أو صيني لعرقلة أي تغيير في تفويض “المينورسو”. وهو الرهان الذي لم يعد بنفس الفعالية السابقة، خاصة مع تزايد القناعة بأن استمرار النزاع يعرقل الاستقرار الإقليمي ويحد من فرص التنمية في منطقة الساحل والصحراء.
وعلى المستوى الميداني، عزز المغرب حضوره التنموي من خلال مشاريع كبرى، أبرزها النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية، الذي ضخ استثمارات بمليارات الدولارات في البنية التحتية، والطاقات المتجددة، والموانئ، ما جعل المنطقة قطبا اقتصاديا صاعدا يربط إفريقيا بأوروبا.
ومع اقتراب الاستحقاقات الأممية المقبلة، تبدو ملامح مرحلة جديدة في طور التشكل، عنوانها الانتقال من تدبير النزاع إلى البحث الجدي عن حل نهائي. حيث باتت مسألة تعديل تفويض واسم بعثة “المينورسو” مطروحة للنقاش الجدي، وهو ما يعد “اختراقاً تاريخياً” يمهد لإقرار إطار قانوني جديد يتماشى مع الواقع الميداني الذي يكرس مغربية الصحراء.
وفي هذا السياق، يبرز الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كخيار يحظى بزخم دولي متزايد، ويقدم توازنا بين احترام الوحدة الترابية للمملكة وضمان تدبير محلي ديمقراطي للسكان.
خلاصة المشهد تؤكد أن المغرب لم يعد فقط يدافع عن قضيته، بل بات يفرض رؤيته كمرجعية أساسية لأي حل ممكن، في وقت تتقلص فيه هوامش المناورة أمام الأطراف الأخرى، ويزداد اقتناع المنتظم الدولي بأن تسوية هذا الملف تمر حتما عبر المبادرة المغربية.
قم بكتابة اول تعليق