الانطواء المدرسي: حين يختار التلميذ العزلة داخل القسم

موند بريس / بقلم: دة. سعاد السبع

في زمن تتعالى فيه الشعارات حول “المدرسة الدامجة” و”التفاعل الإيجابي داخل القسم”، يبرز مشهد صامت لكنه بالغ الدلالة: تلميذ يجلس في آخر الصف، لا يشارك، لا يتحدث، يكتفي بالمراقبة أو الانزواء في عالمه الداخلي. لا يُحدث ضجيجا، لكنه يُرسل صرخة مكتومة في صمته: “أنا هنا… لكن لا أحد يراني”.

العزلة المدرسية ليست خيارا دائما بل أحيانا آلية دفاع.

الانطواء داخل الفصل ليس مجرد خجل عابر أو طبع شخصي هادئ، بل قد يكون انعكاسا لتجربة نفسية أعمق. فالتلميذ المنطوي قد يكون عاش سابقا إحباطا متكررا، أو سخرية من زملائه، أو نقدا جارحا من معلمه مما جعله ينسحب من التفاعل كوسيلة حماية من الألم. إنها آلية دفاعية تتيح له الاتزان وسط عالم مدرسي يشعر فيه بالتهديد أو عدم القبول.

العزلة بين الاختيار والاضطرار.

ثمة فرق دقيق بين من يختار العزلة لأنها تمنحه راحة نفسية وبين من يُجبر عليها بفعل التهميش أو عدم الاندماج. الأول ينسحب بوعي، والثاني يُقصى بصمت. وغالبا ما يكون التلميذ المنطوي ذا حساسية عالية، يقرأ الإشارات الخفية في مواقف الآخرين، ويتألم من التفاصيل التي قد لا ينتبه إليها غيره.

الفصل الدراسي… مرآة للعلاقات النفسية.

القسم ليس فقط فضاء للتعلم المعرفي، بل حقل تفاعلات اجتماعية تنسج ملامح الانتماء والهوية. حين يفتقد التلميذ الإحساس بالأمان النفسي أو يجد نفسه في بيئة يسودها التنافس المفرط أو السخرية يبدأ بالانسحاب التدريجي. هنا لا يفشل النظام التربوي في تلقين الدروس فحسب، بل في احتضان الإنسان داخل المتعلم.

حين يصبح الصمت لغة الألم.

التلميذ المنطوي لا يفتقد القدرة على الكلام، بل يفقد الدافع إليه. يصغي أكثر مما يتكلم، ويفكر أكثر مما يشارك. داخل صمته حوار داخلي عميق، قد يكون مملوءا بالقلق أو الإحباط أو شعور باللاجدوى. لذا لا ينبغي أن يُفهم سكوته على أنه “هدوء” بل ربما هو شكل من أشكال الصراع الصامت.

من الوقاية إلى الاحتواء.

الحل لا يكون بإجبار التلميذ على الانخراط القسري، بل بتهيئة مناخ مدرسي آمن يحتفي بالاختلافات الفردية ويمنح فرص التعبير دون خوف من التقييم أو السخرية.
إن دور المدرس محوري في رصد مؤشرات الانطواء مبكرا وإعادة بناء الجسور النفسية مع التلميذ عبر إشراكه تدريجيا في الحوار وتشجيعه على المبادرة دون ضغط.
أما المرشد النفسي فمسؤوليته تتجلى في فتح قنوات الإصغاء والدعم النفسي لأن بعض الجروح لا تُرى لكنها تعيق كل نمو ممكن.

الانطواء المدرسي ليس فشلا في التفاعل وإنما هو رسالة صامتة تحتاج إلى من يفك رموزها. كل تلميذ صامت يحمل حكاية، وكل عزلة تخفي سببا يستحق الفهم لا الإدانة.
فالمدرسة التي تتقن الإصغاء لصمت تلامذتها، هي وحدها التي تنجح في صناعة أجيال متصالحة مع ذاتها، قادرة على التواصل دون خوف، والتعبير دون قناع.

قم بكتابة اول تعليق

اترك رد