موند بريس / بقلم: دة. سعاد السبع
في عالم تتسارع فيه وتيرة التحولات التعليمية والاجتماعية، لم يعد دور المدرّس وحده كافيا لمواكبة حاجات المتعلمين المتنوعة خاصة أولئك الذين يواجهون صعوبات في التعلم. فقد أفرزت هذه التحولات مقاربة جديدة في المجال التربوي تُعرف بـ”الكوتشينغ التربوي”، وهي مقاربة تقوم على المرافقة الإنسانية الفردية، التي تهدف إلى تمكين المتعلم من تجاوز العوائق النفسية والمعرفية التي تحول دون تحقيق ذاته داخل المسار الدراسي.
إن الكوتش التربوي ليس معالجا نفسيا ولا مربيا تقليديا، بل هو مرشد للتنمية الذاتية داخل الوسط التعليمي، يعمل على إيقاظ الوعي وتحفيز الدافعية وبناء مهارات التعلّم الذاتي لدى المتعلم، مع اعتماد الإصغاء الفعّال والتفاعل الإيجابي كأدوات أساسية في المرافقة.
أولا: فلسفة الكوتشينغ التربوي وأسسها النفسية
يقوم الكوتشينغ التربوي على قناعة جوهرية مفادها أن كل متعلم قادر على التعلم إذا أُتيح له الأسلوب المناسب والمناخ الآمن. ومن هنا يُبنى على مجموعة من المبادئ النفسية والإنسانية منها:
* الإيمان بقدرات الفرد وإمكانياته الكامنة.
* احترام إيقاع التعلم الفردي دون مقارنة أو وصم.
* التركيز على نقاط القوة بدل تضخيم جوانب الضعف.
* بناء علاقة ثقة متبادلة بين الكوتش والمتعلم أساسها الإصغاء غير الحاكم.
هذه الفلسفة تجعل الكوتشينغ التربوي مختلفا عن التدريس التقليدي لأنه لا يُعطي الأجوبة الجاهزة، بل يساعد الطفل على اكتشافها بنفسه من خلال أسئلة موجّهة ومحفّزة للتفكير.
ثانيا: الكوتشينغ كأداة لفهم صعوبات التعلم
عندما يواجه الطفل صعوبات في القراءة أو الكتابة أو الحساب فإن رد الفعل المعتاد في المدرسة يكون عادة هو العقاب أو الإهمال أو اللجوء إلى دروس إضافية.
لكن الكوتش التربوي ينطلق من زاوية أخرى تماما الا وهي الفهم قبل الإصلاح. فهو يسعى إلى استكشاف الطريقة الخاصة التي يتعلم بها الطفل، ويبحث في أنماط تفكيره، ومصادر توتره، ومواطن قوته، ثم يساعده على تحويل إدراكه لذاته من “أنا لا أستطيع” إلى “أنا أتعلم بطريقتي الخاصة”.
فالكوتش يستخدم تقنيات مثل:
* إعادة بناء الصورة الذاتية الإيجابية لدى المتعلم.
* تقنيات التركيز الذهني والتنظيم المعرفي.
* التنشيط التحفيزي عبر أسئلة تعيد للطفل الإحساس بالقدرة والمسؤولية.
بهذا المعنى يصبح الكوتش التربوي شريكا في فهم الصعوبة لا حكما عليها، ومرشدا نحو التعلم الذاتي بدل الاعتماد السلبي على المعلّم أو الأسرة.
ثالثا: التكامل بين الكوتش التربوي والأسرة والمدرسة
لا يمكن للكوتش أن ينجح في مرافقة الطفل ما لم يكن هناك تعاون فعلي مع الأسرة والمدرسة.
فالأم التي تفهم أن ابنها لا يواجه “فشلا” بل “نمط تعلم مختلف”، ستغير نظرتها وسلوكها نحوه.
والمعلم الذي يدرك أن المتعلم يحتاج إلى تشجيع أكثر من توبيخ سيصبح جزءا من الحل لا من المشكل.
يُسهم الكوتش في بناء هذا الجسر من التفاهم عبر جلسات مشتركة يوضّح فيها طبيعة الصعوبة بلغة بسيطة ويقترح استراتيجيات واقعية يمكن تطبيقها في البيت والفصل، مثل تقسيم المهام، اعتماد التعلم باللعب، توظيف الصور والألوان والقصص في الفهم.
رابعا: الكوتشينغ ودعم الدافعية الذاتية
من أبرز آثار الكوتشينغ التربوي أنه يُعيد إشعال جذوة الحماس في نفس المتعلم.
فالطفل الذي يعتاد أن يُقال له “أنت ضعيف” يفقد الرغبة في المحاولة.
لكن حين يجد من يؤمن به ويحتفي بإنجازاته الصغيرة ويُظهر له أن الخطأ جزء من التعلم يبدأ تدريجيا في بناء حافزه الداخلي.
وهنا يصبح دور الكوتش هو تمكين المتعلم من أن يكون فاعلا لا مفعولا به وأن يتعلم كيف يضع أهدافه الدراسية ويخطط لخطواته ويحتفل بتقدمه.
خامسا: نحو ثقافة مدرسية داعمة للكوتشينغ
الكوتشينغ التربوي ليس مهمة فردية بقدر ما هو ثقافة مؤسساتية يجب أن تتبناها المدرسة الحديثة.
فكل معلم يمكن أن يكون كوتشا حين يُصغي لتلميذه، ويمنحه الفرصة للتعبير، ويؤمن أن التعلم لا يقاس بالنقط بل بالتطور الشخصي.
إن تحويل المدرسة إلى بيئة داعمة للكوتشينغ يعني أن تتحول من فضاء للتلقين إلى فضاء للنمو، ومن منطق التقييم إلى منطق المواكبة.
يمثل الكوتشينغ التربوي اليوم أحد أهم المفاتيح لفهم وتجاوز صعوبات التعلم في بعدها النفسي والتربوي معا. فهو يزرع في الطفل الأمل والثقة، ويعيد للأسرة الاطمئنان، ويمنح المدرسة أفقا جديدا في ممارسة رسالتها التربوية بإنسانية.
فما أحوجنا إلى أن تتحول نظرتنا من التركيز على الضعف إلى الاستثمار في القوة، ومن تصحيح الخطأ إلى اكتشاف الإمكان.
فالكوتشينغ لا يُعلّم الطفل فحسب، بل يعلمه كيف يؤمن بنفسه وكيف يصنع طريقه رغم العثرات.
قم بكتابة اول تعليق