موند بريس / بقلم: دة.سعاد السبع
لم يعد السهر مجرد عادة شخصية يختارها الإنسان في ليالي الانشغال أو الترفيه، بل تحول إلى ظاهرة سلوكية تهدد صحة الأفراد في زمن السرعة والشاشات المضيئة. إن النوم ـ باعتباره إيقاعا بيولوجيا ـ ليس ترفا جسديا، بل ضرورة حيوية لتنظيم عمل الغدد والأعضاء، وبالتالي استقرار التوازن النفسي.
الغدد وإيقاع الليل
تشير الدراسات البيولوجية إلى أن السهر يعطل إفراز الميلاتونين، وهو الهرمون الذي يُفرَز من الغدة الصنوبرية عند حلول الظلام، ويعمل على ضبط الإيقاع الحيوي للجسم. يقول الباحث ماثيو ووكر وهو أستاذ علوم الأعصاب بجامعة بيركلي: “النوم ليس وقتا يطفئ فيه الدماغ نشاطه، بل هو مختبر دقيق لإعادة شحن الجسم وتنظيم إفرازاته الهرمونية.”
كما أن الغدة النخامية التي تُعرف بكونها “مايسترو الغدد”، تتأثر مباشرة باضطراب النوم. فهي مسؤولة عن هرمونات النمو، تنظيم الغدة الدرقية وضبط التوازن الهرموني المرتبط بالمناعة والتمثيل الغذائي. فالسهر المستمر يُحدث خللا في هذا النظام الدقيق، حيث يترجم إلى إرهاق جسدي مزمن واضطرابات في الشهية والوزن.
الأعضاء بين الإرهاق والخلل
ليس الغدد وحدها من تدفع ثمن السهر. فالكبد على سبيل المثال يدخل في ساعات الليل الأولى في دورة لإزالة السموم وإعادة التوازن الكيميائي للجسم. وعندما يُحرم من هذا التوقيت تتراكم المواد الضارة ويضعف نشاطه.
أما القلب فإن حرمانه من النوم الكافي يزيد من مخاطر ارتفاع ضغط الدم واضطراب ضرباته. ويؤكد تقرير صادر عن منظمة الصحة العالمية أن: “قلة النوم عامل خفي لكنه حاسم في ارتفاع معدلات أمراض القلب والسكري والبدانة في المجتمعات الحديثة.”
البعد النفسي للسهر
لا ينفصل الجسد عن النفس، فاختلال النظام البيولوجي يترك بصمته على الحالة النفسية مباشرة. كما أن قلة النوم تؤثر على الفص الجبهي في الدماغ المسؤول عن ضبط الانفعالات واتخاذ القرار. وهذا ما يفسر سهولة التهيج العصبي، ضعف التركيز ونوبات القلق التي تلازم الساهرين.
يقول عالم النفس سيغموند فرويد: “النوم حارس الصحة النفسية الأول، فمن يُضيّعه يعرض ذاته لاضطراب داخلي يختل معه ميزان العقل والعاطفة.”
إضافة إلى ذلك، أثبتت أبحاث حديثة أن السهر المستمر يزيد من احتمالية الإصابة بالاكتئاب بنسبة تصل إلى 40% نتيجة لتأثيره على الناقلات العصبية مثل السيروتونين والدوبامين وهما المسؤولان عن المزاج والشعور بالرضا.
بين الحرية والقيد
قد يرى البعض في السهر مساحة للحرية والانفلات من قيود النهار، لكنه في جوهره قيد جديد يفرضه الإنسان على جسده. الحرية الحقيقية تكمن في احترام الإيقاع الطبيعي للوجود، حيث الليل للسكينة والنهار للحركة. وكما قال الطبيب والفيلسوف أفلاطون: “إن قياس الصحة هو التوازن، وكل خروج عن هذا الميزان يقود إلى الفوضى.”
توصيات عملية لاستعادة التوازن
لكي نتجاوز آثار السهر ونستعيد انسجام الجسد والنفس ينصح الخبراء بمجموعة من الخطوات البسيطة والفعالة:
1. الالتزام بروتين نوم ثابت: الذهاب إلى السرير والاستيقاظ في أوقات محددة حتى في عطلة نهاية الأسبوع.
2. تهيئة بيئة مظلمة وهادئة: فالنور الأزرق المنبعث من الشاشات يعرقل إفراز الميلاتونين، لذا يُفضل إيقاف استخدام الأجهزة قبل ساعة على الأقل من النوم.
3. تجنب المنبهات: مثل الكافيين والنيكوتين في ساعات المساء لأنها تؤخر الدخول في النوم العميق.
4. الاسترخاء قبل النوم: عبر قراءة هادئة، عبر التأمل أو تمارين التنفس العميق لتفريغ التوتر.
5. توظيف النشاط البدني: ممارسة الرياضة المنتظمة في النهار تساعد على نوم أكثر جودة ليلا.
6. إعادة النظر في معنى السهر: فبدلا من اعتباره مساحة للتحرر، يمكن أن يكون النوم المبكر فعل حرية في ذاته لأنه يمنح الجسد والنفس فرصة للحياة بكامل طاقتهما.
خلاصة
إن السهر ليس مجرد “تأجيل للنوم”، بل هو تدخل مباشر في أنظمة دقيقة صممها الجسد لتضمن بقاءنا في أفضل حالة بدنية ونفسية. فإذا اختل عمل الغدد والأعضاء، اختلت النفس بدورها. إن العودة إلى احترام دورة الليل والنهار ليست عودة إلى روتين قديم، بل هي استعادة لحكمة الكون فينا ولانسجام الجسد والروح معا.
قم بكتابة اول تعليق