موند بريس / بقلم: د. سعاد السبع
في خريطة الاضطرابات النفسية، يحتل اضطراب ثنائي القطب (Bipolar Disorder) مكانة خاصة بكونه أحد أكثر الاضطرابات المزاجية تعقيدا، إذ يتأرجح المريض بين حالات من النشوة المفرطة والنشاط الجامح، وأخرى من الانطفاء والاكتئاب الحاد. هذا التقلّب الحاد لا ينعكس فقط على الحالة النفسية بل يطال السلوك، الإنتاجية والروابط الاجتماعية والعائلية.
يعرّف الدليل التشخيصي والإحصائي الخامس للاضطرابات النفسية (DSM-5) هذا الاضطراب بأنه: “حالة تتميز بحدوث نوبات مميزة من الهوس أو الهوس الخفيف تتناوب مع نوبات من الاكتئاب الحاد، وقد تتخللها فترات من المزاج المستقر”.
تصنيف الأنواع
ينقسم اضطراب ثنائي القطب إلى ثلاثة أنماط رئيسية:
1. ثنائي القطب من النوع الأول (Bipolar I): يتميز بوجود نوبات هوس كاملة قد تستدعي الاستشفاء وتتناوب مع نوبات اكتئاب.
2. ثنائي القطب من النوع الثاني (Bipolar II): يتميز بنوبات هوس خفيف (Hypomania) أقل حدة من الهوس الكامل لكنها تترافق مع نوبات اكتئاب حاد.
3. اضطراب المزاج الدوري (Cyclothymia): شكل أخف من الاضطراب يتسم بتقلبات مزاجية مزمنة لكنها أقل حدة من النوعين السابقين.
الهوس: نشوة محفوفة بالمخاطر
خلال نوبة الهوس يبدو المريض كما لو أنه يركض على قمة جبل باندفاعات طاقية وفكرية هائلة. قد يتحدث بسرعة، يقفز بين الأفكار، يشعر بثقة مفرطة وينخرط في سلوكيات متهورة (الإنفاق المفرط، المخاطرات المهنية أو الجنسية). يقول نيتشه في وصف حالة مشابهة: “أولئك الذين يرقصون يُنظر إليهم كمجانين من قبل الذين لا يسمعون الموسيقى”.
لكن هذه الحالة ليست دائما إيجابية فهي قد تنقلب إلى هوس عدواني أو ذهاني مع ضعف في القدرة على الحكم السليم، مما يزيد من مخاطر الحوادث والخسائر الشخصية.
الاكتئاب: سقوط في عمق العزلة النفسية
على النقيض تأتي نوبات الاكتئاب الحاد محملة بمشاعر انعدام القيمة، فقدان المتعة، اضطرابات النوم والشهية وربما أفكار انتحارية. يصف فيكتور هوغو هذا الإحساس قائلا: “الليل أكثر ظلمة قبيل الفجر”. غير أن مريض ثنائي القطب قد يعلق في هذا الظلام لفترات طويلة خصوصا إذا لم يتلق العلاج الملائم.
الأسباب: تفاعل بيولوجي ونفسي واجتماعي
تشير الأبحاث إلى أن اضطراب ثنائي القطب هو نتاج تفاعل معقد بين العوامل الوراثية والبيوكيميائية والبيئية:
بيولوجيا: خلل في تنظيم الناقلات العصبية خاصة السيروتونين، الدوبامين والنورإيبينفرين.
وراثيا: الدراسات الأسرية والتوأمية تظهر أن احتمال الإصابة يرتفع بشكل ملحوظ عند الأقارب من الدرجة الأولى.
نفسيا واجتماعيا: الضغوط المزمنة، الصدمات النفسية، واضطرابات الإيقاع اليومي قد تحفّز أو تزيد من حدة النوبات.
التشخيص: رحلة استقصاء دقيقة
التشخيص يتطلب تقييما شاملا من قِبل اختصاصي الطب النفسي حيث يشمل المقابلات الإكلينيكية، جمع التاريخ المرضي وملاحظة سلوك المريض على مدى فترة زمنية. ذلك أن الأعراض قد تُخطئ في التشخيص مع اضطرابات أخرى مثل الاكتئاب أحادي القطب أو اضطراب الشخصية الحدية.
العلاج: إدارة مدى الحياة
لا يوجد شفاء تام من اضطراب ثنائي القطب، لكنه قابل للتحكم بشكل كبير عبر مقاربة علاجية مزدوجة:
العلاج الدوائي: مثبتات المزاج (مثل الليثيوم)، مضادات الذهان وأحيانا مضادات الاكتئاب (بحذر).
العلاج النفسي: يشمل العلاج السلوكي المعرفي (CBT)، العلاج العائلي والتثقيف النفسي للمريض وأسرته.
تنظيم نمط الحياة: الحفاظ على إيقاع نوم منتظم، تجنب المؤثرات النفسية الحادة ودعم شبكة اجتماعية إيجابية.
كما تقول الطبيبة النفسية كاي ريدفيلد جيميسون، وهي نفسها مصابة بهذا الاضطراب: “العلاج لا يُطفئ النور في داخلك بل ينظمه كي لا يحترق”.
البعد الإنساني: من الوصمة إلى الفهم
ما زال اضطراب ثنائي القطب يواجه وصمة اجتماعية، إذ يُساء فهمه غالبا على أنه تقلب مزاجي عابر أو ضعف إرادة. لكن الحقيقة أنه اضطراب طبي يحتاج إلى فهم، دعم وتعاطف بدلا من إصدار الأحكام المسبقة.
خاتمة: أمل مشروط بالوعي
الوعي بطبيعة الاضطراب، التشخيص المبكر والالتزام بالعلاج هي ركائز أساسية لتحسين جودة حياة المريض. وكما يقول المثل الصيني: “حتى أطول الرحلات تبدأ بخطوة واحدة”، فإن رحلة السيطرة على اضطراب ثنائي القطب تبدأ بالاعتراف به كجزء من التحديات الإنسانية التي يمكن إدارتها لا الاستسلام لها.
قم بكتابة اول تعليق