حين يصرخ الجسد بصمت الروح: الضغوط النفسية كعامل خفي وراء الأمراض العضوية

موند بريس / بقلم: دة. سعاد السبع

لم تعد العلاقة بين النفس والجسد مجرّد أطروحة فلسفية، بل أضحت مسألة علمية محورية في الطب وعلم النفس الحديث. فالحالة النفسية المتأزّمة، والضغوط المتراكمة، والقلق المقيم في الزوايا المعتمة للذهن، لا تبقى حبيسة المشاعر، بل تجد طريقها إلى الجسد فتترجم نفسها في هيئة أمراض عضوية حقيقية، بعضها مزمن وبعضها فتاك.

 

الضغوط النفسية… نار تحت الرماد

الضغط النفسي ليس مجرّد شعور عابر بالتوتر أو الإرهاق، بل هو حالة مركبة من استجابات فيزيولوجية وسلوكية وعاطفية تضع الجسم في حالة تأهب دائم. ومع تكرار هذه الحالة دون تفريغ نفسي صحي، تبدأ أجهزة الجسم في الانهيار التدريجي.

تشير الإحصائيات الصادرة عن منظمة الصحة العالمية إلى أن ما لا يقل عن 70% من زيارات المرضى للمراكز الصحية الأولية تعود إلى مشكلات صحية ذات أصل نفسي أو نفسي-جسدي (Psychosomatic). وهذا ما يجعل من الصحة النفسية أحد أهم مؤشرات سلامة الجسد.

 

أنواع الأمراض المرتبطة بالحالة النفسية

بحسب مقاربات علم النفس الإكلينيكي والعضوي، يمكن تصنيف الأمراض العضوية الناتجة عن الاضطرابات النفسية إلى ثلاثة محاور رئيسية:
1. أمراض القلب والأوعية الدموية
حيث ان الإجهاد المزمن والقلق يزيدان من إفراز هرمونات التوتر (الكورتيزول والأدرينالين)، ما يرفع ضغط الدم ويُضعف عضلة القلب.
و هناك دراسات عدة أثبتت أن الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات القلق معرضون للإصابة بأمراض القلب بنسبة تزيد عن 50% مقارنة بغيرهم.

2. أمراض الجهاز الهضمي

فمتلازمة القولون العصبي (IBS)، وقرحة المعدة، والتهاب القولون التقرحي تُعدّ من أبرز الأمراض ذات المنشأ النفسي.

بحيث 60% تقريبا من المصابين بمتلازمة القولون العصبي يعانون من أعراض اكتئابية أو قلقية مصاحبة.

3. الأمراض الجلدية والمناعية

فالتوتر النفسي قد يؤدي إلى تفاقم أمراض مثل الصدفية، الثعلبة، الأكزيما وكذا الذئبة الحمراء.
كما يؤدي القلق المزمن إلى اختلال في جهاز المناعة، مما يجعل الجسم أقل قدرة على مقاومة العدوى والفيروسات.

كيف يبرمج الدماغ الألم؟

وفقا لنظرية “البوابة النفسية للألم”، فإن الجهاز العصبي المركزي يلعب دورا كبيرا في تنظيم شدة الإحساس بالألم. في حالات الاكتئاب يُخفض الدماغ عتبة الألم، فيشعر الإنسان بأوجاع متفرقة، غالبا دون سبب عضوي ظاهر، فيما يُعرف بـ “الألم النفسي الجسدي” (Somatization).

وقد بينت دراسات التصوير العصبي أن النشاط الزائد في اللوزة الدماغية (Amygdala) عند القلق أو الصدمة النفسية يربك مراكز القرار والمناعة مما يهيئ لظهور اضطرابات عضوية.

 

نحو فهم تكاملي للجسد والنفس

علم النفس العضوي يؤكد أن الجسد ليس مجرد آلة مستقلة، بل هو انعكاس دقيق للحالة النفسية. والتعامل مع الأمراض المزمنة يجب أن لا يقتصر على الجانب الفيزيولوجي، بل يتطلب مقاربة شمولية تشمل الدعم النفسي والعلاج السلوكي المعرفي (CBT) والتقنيات النفسجسدية مثل الاسترخاء والتأمل والعلاج بالتنفس.

 

عندما يُصاب الجسد بما يعانيه العقل

في زمن تتسارع فيه الإيقاعات وتتعاظم الضغوط، صار من الضروري أن نتبنى فهما جديدا للصحة يتجاوز فحوص الدم وصور الأشعة، ليصل إلى أعماق النفس. فالجسد لا يمرض وحده… بل يمرض حين تُرهقه النفس. وإنَّ إصلاح النفس أولى من تجبير العِظام.

 

قم بكتابة اول تعليق

اترك رد