كأس العالم 2026… تخمينات المناهج قبل تكهنات التنافس .

موند بريس / متابعة: ذ. عبد الله بوحنش

لست من أولئك الذين يحفظون تشكيلات المنتخبات عن ظهر قلب، ولا أقضي أمسياتي في الجدل حول أفضل لاعب في التاريخ أو أحقية هذا الفريق أو ذاك باللقب. علاقتي بكرة القدم مختلفة تماما، فأنا لا أبحث عن المتعة بقدر ما أبحث عن النمط، ولا أتابع المباراة بقدر ما أراقب ما تخفيه من قوانين واحتمالات. بالنسبة إلي، تبدو كأس العالم أقرب إلى مختبر عملاق منه إلى ملعب، وتجتمع فيها الرياضيات وعلم النفس والتاريخ والاقتصاد والفلسفة على طاولة واحدة، وكل منها يدعي أنه يعرف مسبقا من سيرفع الكأس.

لو سلمنا قيادة التوقعات إلى *المنهج العلمي الإحصائي*، فلن يكون هناك مكان للعاطفة. هنا تتحول المهارات إلى أرقام، والتمريرات إلى متغيرات، والفرص إلى احتمالات محسوبة بدقة. تصنيفات القوة، وقيم اللاعبين، ومؤشرات الأهداف المتوقعة، وعمق دكة البدلاء، كلها تدخل في معادلة واحدة تنتج اسمين يتكرران بإصرار: *الأرجنتين وفرنسا*. فالأولى تمتلك استقرارا تكتيكيا يجعلها آلة تعرف كيف تربح، والثانية تمتلك ثراء بشريا يجعل الفارق بين الأساسي والبديل هامشا يكاد لا يرى. وداخل آلاف المحاكاة الرقمية، يظل هذان المنتخبان الأكثر ظهورا في المباراة النهائية.

لكن *التاريخ* يبتسم ساخرا من الإحصائيين. فهو لا يؤمن باللحظة بل بالدورات الطويلة، ويرى أن الإمبراطوريات الرياضية قد تتعثر لكنها لا تنقرض. لذلك يمد إصبعه مباشرة نحو *البرازيل*. ليس لأن نتائجها الأخيرة مثالية، بل لأنها تحمل ذاكرة بطولة كاملة، وكأنها تعرف الطريق إلى الكأس حتى عندما تبدو تائهة. في منطق التاريخ، لا تقاس المنتخبات بما فعلته أمس، بل بما اعتادت أن تفعله عندما يحين موعد المجد.

ثم يدخل *علم الاجتماع* إلى القاعة، ليقلب الطاولة من جديد. فجأة لا تصبح الأقدام هي العنصر الحاسم، بل المدرجات، والأعلام، والهتافات، والشعور الجمعي بأن الوطن كله يركض خلف الكرة. هنا تبرز *الولايات المتحدة والمكسيك* باعتبارهما مرشحين مختلفين؛ فالأرض لا تمنح النقاط، لكنها تغير الكيمياء النفسية للمباراة، وتدفع اللاعبين إلى تجاوز حدودهم الطبيعية، وتفرض على المنافس الإحساس بأنه يلعب في مساحة لا تخصه.

أما *الاقتصاد* فلا يرى في كرة القدم سوى صناعة ضخمة، ويصر على أن المال يشتري الوقت والخبرة والتكوين والبنية التحتية، وبالتالي يشتري فرص الفوز أيضا. ومن هذه الزاوية تبدو *إنجلترا* نموذجا مثاليا؛ أغلى دوري، وأوسع قاعدة مواهب، وأكبر استثمارات في صناعة اللاعب. وإذا كان رأس المال يبحث دائما عن العائد، فإن كأس العالم تبدو بالنسبة لهذا المنهج مجرد نتيجة منطقية لاستثمار طويل الأمد.

غير أن *علم النفس* يرفض كل ذلك، لأنه يعلم أن أخطر خصم لا يقف أمامك، بل يسكن داخلك. منتخب يعيش عقدة النقص قد يخسر قبل أن تبدأ المباراة، ومنتخب تحرر من الخوف قد يهزم من هو أقوى منه مرات عديدة. ومن هنا يظهر *المغرب* كأحد أكثر المشاريع إثارة للاهتمام. فالإنجاز التاريخي في النسخة الماضية لم يكن مجرد وصول إلى نصف النهائي، بل كان ثورة ذهنية نقلت اللاعبين من ثقافة المشاركة المشرفة إلى ثقافة المنافسة على اللقب. عندما يختفي الخوف، تصبح الأرقام أقل صلابة، ويصبح التاريخ أقل سلطة.

ولو منحنا الكلمة *للفلاسفة*، لقالوا إن كل هذه المناهج ترتكب الخطأ نفسه؛ فهي تفترض أن المستقبل امتداد منطقي للماضي، بينما كرة القدم هي اللعبة الوحيدة التي تستطيع فيها ركلة حرة في الدقيقة الثالثة والتسعين أن تهزم آلاف الصفحات من الإحصاءات ومئات السنين من التاريخ ومليارات الدولارات من الاستثمارات.

ربما لهذا السبب تستمر كأس العالم في أسر خيال البشر. فهي البطولة التي يدخلها العلماء ومعهم الحواسيب، والمؤرخون ومعهم الأرشيف، والاقتصاديون ومعهم الجداول، وعلماء النفس ومعهم النظريات، ثم يخرج الجميع في النهاية ليجلسوا أمام شاشة واحدة ينتظرون كرة صغيرة لا تعترف بأي منهم.

وفي اللحظة التي يطلق فيها الحكم صافرة البداية، تتوقف المناهج عن الكلام، وتبدأ الكرة في كتابة النظرية الوحيدة التي لا يستطيع أحد دحضها.

قم بكتابة اول تعليق

اترك رد