موند بريس : عبدالرحمان العبداوي
في خضم الجدل المتصاعد حول مشروع نزع ملكية عقار بتراب مقاطعة سيدي بليوط بالدار البيضاء، تطرح هذه القضية اشكاليات قانونية ومؤسساتية تمس جوهر الحكامة المحلية، وتعيد الى الواجهة ضرورة احترام قواعد الديمقراطية التشاركية، كما نص عليها الدستور المغربي. فبينما ادرجت نقطة نزع الملكية في جدول اعمال دورة استثنائية لمجلس جماعة الدار البيضاء، غيب مجلس مقاطعة سيدي بليوط بشكل يثير تساؤلات حول المشروعية السياسية والاخلاقية لهذا القرار.
المطلب الاول: في مشروعية الاجراء ومسألة احترام التراتبية المؤسساتية
يناقش هذا المطلب الاساس القانوني الذي تستند اليه الجماعة في اتخاذ قرارات نزع الملكية، مع التركيز على ضرورة احترام الهياكل المنتخبة، وخاصة المجالس المحلية للمقاطعات التي تشكل لبنة اساسية في البناء الترابي والديمقراطي للجماعة.
الفقرة الاولى: السلطة الجماعية واختصاص نزع الملكية
بموجب القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات، يحق لمجلس جماعة الدار البيضاء مناقشة مشاريع نزع الملكية ذات البعد الحضري، خاصة اذا كانت تصب في خدمة المنفعة العامة. غير ان هذا الاختصاص يجب ان يمارس في اطار احترام التراتبية المؤسساتية والتوزيع الترابي للاختصاصات، اذ تشكل المقاطعات جزءا لا يتجزأ من التنظيم الجماعي، ولها مجالها الترابي ومجلسها المنتخب الذي يمثل الساكنة ويعبر عن اولوياتها.
الفقرة الثانية: غياب مجلس مقاطعة سيدي بليوط: تقويض لمبدأ الديمقراطية التشاركية
اقصاء مجلس مقاطعة سيدي بليوط من مناقشة ملف يخص عقارا داخل ترابه الجغرافي، يعد مخالفة واضحة لروح الدستور ومقتضيات الديمقراطية التشاركية التي تؤكد على اشراك الفاعلين المحليين في كل القرارات ذات الطابع الترابي. فالتداول في مشاريع نزع الملكية دون استشارة المجلس المحلي قد يفهم كمحاولة لتمرير قرارات حساسة دون رقابة سياسية محلية، ما يهدد الثقة في المؤسسات المنتخبة ويفتح المجال امام التأويلات حول دوافع القرار.
المطلب الثاني: في البعد السياسي والاداري لقرار نزع الملكية
يتناول هذا المطلب الخلفيات المحتملة لقرار نزع الملكية، بين ظاهر المنفعة العامة وحقيقة النزاع الاقتصادي، اضافة الى اثر تغييب المقاطعة على مصداقية القرار، وعلى توازن السلطات والمساطر داخل المنظومة الترابية.
الفقرة الاولى: المنفعة العامة بين المشروعية والتأويل
رغم ان المبدأ القانوني لنزع الملكية يستند الى “المنفعة العامة”، الا ان استعماله يجب ان يكون مؤسسا على معايير شفافة ودراسات مسبقة، لا ان يتحول الى اداة لتصفية نزاعات اقتصادية بين اطراف متنازعة. فالمعطيات المرتبطة بهذا الملف، ومنها وجود مشروع استثماري سعودي تم تجميده فجأة، تثير الشكوك حول النوايا الحقيقية وراء تحريك مسطرة نزع الملكية في هذا التوقيت وبالضبط على هذا العقار.
الفقرة الثانية: اهمية الشفافية الادارية وضرورة اعادة التوازن المؤسساتي
ان غياب التوضيح الرسمي من الجهات المختصة، وتجاوز مجلس المقاطعة، يشكلان معا ضربة لمصداقية القرار الاداري ومبدأ التوازن بين المؤسسات. وفي ظل هذا الوضع، يصبح من الضروري اعادة الاعتبار لدور المقاطعات كفاعل اساسي في التدبير المحلي، من خلال فرض الزامية عرض الملفات الكبرى، مثل نزع الملكية، على المجالس المحلية المعنية، على الاقل من باب الرأي الاستشاري. هذا الاجراء البسيط كفيل بتعزيز الثقة، وضمان الشفافية، وتجنيب السلطات اي شبهة تواطؤ او انحياز.
ان الديمقراطية التشاركية ليست شعارا دستوريا فقط، بل ممارسة يومية تبدأ من احترام المجالس المحلية وعدم القفز على اختصاصاتها. ومن هذا المنطلق، فان عرض مشروع نزع الملكية على مجلس مقاطعة سيدي بليوط لم يكن خيارا سياسيا، بل ضرورة قانونية واخلاقية، كان يجب ان تحترم لضمان نزاهة القرار، وحماية مناخ الثقة والاستثمار في مدينة تطمح لان تكون نموذجا للتنمية والشفافية.
قم بكتابة اول تعليق