موند بريس / محمد أيت المودن
يُعرّف العنف المدرسيّ بأنّه أيّ نشاط يُعيق سير العمليّة التعليمية في المدارس، ويُمكن أن يحدث في أماكن متعدّدة سواء داخل الفضاء المدرسي، أو في الطريق إلى المدرسة، أو خلال أيّة فعاليّة خارجيّة تُقيمها المدرسة، وتتعدّد أشكال العنف المدرسي حسب خصوصية كل منطقة . فمنها ما هو جسدي ومنها ما هو جنسي، كما يشمل تسلّط الزملاء. وأيّ عنف خارجي قد ينتقل إلى المدرسة، بحيث أصبح العنف المدرسيّ شأناً مهمّاً على الصعيد الدوليّ في تسعينيات القرن الماضي، بعد انتشار خبر لحادثٍ إطلاق نار في إحدى المدارس.
فأسباب العنف المدرسي متعددة ، وتتضمّن الاضطرابات النفسيّة لدى التلميذ، مثل: الاكتئاب، والقلق، والتوتّر، ومشاهدة السلوكيات العنيفة في المنزل أو في الشوارع أو حتّى في ألعاب الفيديو أو الأفلام، ممّا يُشجّعهم على محاكاة العنف واستسهاله، ومن الأسباب الأخرى المؤدّية للعنف المدرسيّ، تعنيف الطالب من قِبَل والدِيه أو المجتمع المحيط به وتعرّضه للإقصاء والرفض، ممّا يدفعه إلى فعل أيّ شيء من أجل إيقاف ما يحدث، وبهذا قد تصدر عنه سلوكيات عنيفة، ويتّفق الخبراء على أنّ سهولة وصول الطالب إلى الأسلحة بمختلف أنواعها تُسهّل عليه استخدامها ضدّ الأشخاص أو الأشياء التي لا يُحبّها أو تُسبّب له الأذى.
ومن أشكال العنف المدرسي، تصنيف “التقرير العالمي للعنف ضدّ الأطفال” العنف المدرسي إلى الأنواع الآتية:
- العقاب البدني: يُقصد به العنف الذي تُستخدم فيه القوة الجسديّة للتسبّب بالأذى مهما كان مقداره، ويتضمّن ضرب التلميذ وصفعه باليد أو باستخدام أداة ما، والحرق، والكيّ، والركل، والخدش، بالإضافة إلى إجباره على اتخاذ وضعيات غير مريحة، أو تناول مواد معيّنة. تسلّط الزملاء: أكثر الفئات عرضةً للتسلّط ذوو الإعاقة أو من ينتمون إلى أقليّة عرقيّة أو طائفيّة معينة، ويتّخذ التسلّط أشكالاً عدّة؛ فمنه ما هو مباشر؛ كالمطالبة بممتلكات الآخرين، ومنه ما هو غير مباشر؛ كنشر الإشاعات والأخبار الكاذبة عن تلميذ معيّن، ممّا يجعل التلميذ عرضةً لسخرية أقرانه واستهزائهم عند تعرّضه للعنف بشكل متكرّر.
- العنف الجنسي: يكون العنف الجنسي بمعاقبة الطلاب استناداً إلى جنسهم؛ كالعنف البدني الممارس على الفتيات نتيجة قيامهم بسلوك معيّن، والتحرش المؤدي للإستغلال الجنسي، والعنف النفسيّ الذي يُحقّر بعض التلاميذ بسبب جنسهم أو لكونهم ضحايا ممارسات غير أخلاقية.
- العنف الخارجيّ: هو العنف الذي يحدث خارج البيئة المدرسية لكنّه قد ينتقل إليها، فالعنف الأسري وعنف العصابات والحروب السياسيّة تُسبّب شعور الفرد بانعدام الأمان والاستقرار ممّا قد يدفعه لاستخدام الأدوات الحادة، والأسلحة الخطيرة.
وللعنف كيفما كان نوعه آثار متنوعة وخطيرة على المسار الدراسي وتتضمّن الأضرار الصحيّة التي يُسبّبها العنف المدرسي، منها ما هو ظاهر وما هو خفي وتكون عواقبه وخيمة و جسيمةً ومؤثّرة، ومن الأمثلة عليها الكدمات والكسور الناجمة عن الضرب أو استخدام الأسلحة، أمّا الأضرار غير المرئيّة فهي تحدث على مستوى صحّة التلميذ النفسيّة، مثل: الاكتئاب، والقلق، والخوف، والعديد من الاضطرابات النفسيّة الأخرى، ويُشار إلى أنّ العنف المدرسيّ قد يدفع التلميذ إلى سلوكيات مضرّة بصحّته، مثل: تعاطي المخدّرات، أو إدمان الكحول، أو الميل للانتحار.
كما يجب التذكير بالآثار الأسرية المضطربة بسبب العنف المدرسي ، والذي يؤدي إلى العديد من الأضرار التي قد تحدث على مستوى أسرة التلميذ المعنِّف، إذ إنّ الأسرة ستكون مسؤولةً عن إصلاح الخطأ الذي قام به التلميذ سواء كان ذلك بدفع الأموال أو الذهاب إلى المحاكم أو غير ذلك، كما أنّ الأسرة ستحتاج إلى بذل مجهود ووقت كبيرين من أجل محاولة تعديل سلوك ابنهم الذي تصدر منه سلوكيات عنيفة، ومن الأضرار التي قد تحدث للأسرة أيضاً التعرّض للانتقاد من المجتمع والمحيط والأصدقاء، كما أنّ النقاش الحادّ بين الأسرة والابن المعنِّف قد يؤدّي إلى إحداث مشكلات ونزاعات داخل الأسرة مما يُهدّد استقرارها.
وهناك آثار اجتماعية أخرى للعنف المدرسي، وتتضمّن عدم قدرة التلميذ على تكوين علاقات اجتماعيّة أو عاطفيّة مع الآخرين بشكلٍ طبيعي، وانخفاض قدرته على التمتّع بالمشاعر الإيجابيّة، والنفور من التقارب الجسديّ والعاطفيّ، كما يُبدي التلاميذ المعنَّفون في المدرسة ردود أفعال عنيفة عند تهدئتهم أو الإمساك بهم أو احتضانهم، ويكون من الصعب التنبّؤ بتصرّفاتهم، بالإضافة إلى أنّ أيّة محاولة لتغيير روتينهم اليومي، تؤدّي إلى ظهور سلوكيات رافِضة قد تكون عنيفةً بسبب رغبتهم في التحكّم ببيئتهم واتخاذ قراراتهم بأنفسهم. دون أن ننسى تتعدّد الأضرار الأكاديمية ، والتي لا يقتصر أثرها على التلاميذ المتعرّضين للعنف، إنّما يمتدّ ليشمل التلاميذ الذين يشاهدون العنف أيضاً، وتتضمّن الأضرار الأكاديمية تغيّب التلاميذ عن المدرسة، أو نفورهم منها، أو تخوّفهم من الذهاب إليها، وفقدان التركيز أثناء التواجد في الفصل، أو خلال أيّ أنشطة مرتبطة بالمدرسة، وقد أثبتت الدراسات وجود علاقة واضحة بين العنف المدرسيّ وضعف التحصيل الدراسيّ في المواد الأساسية كالرياضيات والمواد العلمية، كما أشارت التحليلات إلى أنّ العنف المدرسيّ الذي يتعرّض له التلاميذ على يد معلّميهم أو أقرانهم، يُقلّل احتماليّة متابعة هؤلاء التلاميذ للتعليم العالي، كما أنّ التلاميذ المعنَّفين غالباً ما تصدر عنهم سلوكيات رافضة لأيّ تغيير ممّا يمنعهم من التطوّر الأكاديمي واكتساب المهارات.
وتتطلّب عمليّة الحدّ من العنف المدرسي تظافر الجهود الأسرية والمدرسية؛ وذلك حتّى يتمّ حماية التلميذ من كافّة الأضرار التي يتسبّب بها العنف المدرسيّ، ففي الأسرة مثلًا يجب تقديم الرعاية والدعم والتعليم للتلميذ، ومراقبة الأهل له منذ طفولته، والانتباه إلى نمط سلوكياته، ومحاولة تعديلها بشكل يُقلّل من احتماليّة انحرافه إلى السلوكيات العنيفة، كما يجب على الأهلِ مناقشة أبنائِهم حول سلوكياتهم بطريقة إيجابيّة لمساعدتهم على التمييز بين السلوك الخاطئ والسلوك الجيّد. كما يجب على إدراة المدرسة وضع مجموعة من القواعد الصارمة للحدّ من ظاهرة العنف المدرسيّ، وخلق جوّ من الراحة والتعاون بين التلاميذ والأساتذة، ونظراً إلى أنّ الأساتذة يلتقون بتلامذتهم لساعات طويلة، فإنّ عليهم تطوير علاقتهم معهم، والتحدّث معهم حول سلوكياتهم ومشاعرهم، ومن الإجراءات التي يُمكن أن تتخذها المدرسة للحدّ من العنف المدرسيّ؛ توظيف حرّاس أمن خاص بالمؤسسة، واستعمال أجهزة المراقبة الإلكترونية عن بعد بواسطة الكاميرات، حتّى يتمّ الكشف عن أيّ حركة مشبوهة يُمكن أن تتواجد بالمدرسة، بالإضافة إلى تقديم برامج توعويّة لمكافحة العنف المدرسيّ، وأخيرًا تقديم الدعم والرعاية للتلاميذ وتشجيعهم على التحدّث عمّا يدور في أذهانهم.
قم بكتابة اول تعليق