موند بريس : الدكتورمصطفى جفال أستاذ التعليم العالي بكلية العلوم القانونية
والإقتصادية والإجتماعية – الدار البيضاء
دخول الفكر الأرسطي والرشدي أوربا المسيحية
حدث الصدام الأول بين أرسطو وبين المسيحية في جامعة باريس عام 1210 وكانت جامعة باريس منار الفكر في أوربا المسيحية حيث اتخذت الكنيسة المسيطرة على الحياة الفكرية في ذلك الحين قرار تحريم أثناء انعقاد مجمع باريس عام 1210 ويرجع موقف الكنيسة هذا لكون فكر أرسطو كان قد انتشر في هذا الوقت بواسطة المسلمين الذين تحاربهم الكنيسة ، فقد حرمت “كتب أرسطو في الفلسفة الطبيعية وشروحها التي كانت تدرس في المحاضرات العامة أو الخاصة في باريس”.
عن أرسطية معتدلة ، أي تحترم الرؤية المسيحية للأشياء. وأبرز ممثلي هذا الاتجاه كل من “ألبت الكبير” وتلميذه “القديس توماس الاكويني”.
لقد أدرك ألبرت الكبير أن أرسطو دخل أوربا المسيحية من باب عربي ، وأن كثيرا من أساتذة جامعة باريس أعتنقوا فلسفته ، وأن الأوغسطية القديمة فشلت في مواجهة هذا التيار الذي تقوى واستطاع أن يفرض نفسه بما ينطوي عليه من قضايا عديدة جديدة ، يمكن أن تكون أساسا حتى بالنسبة للفلسفة المسيحية نفسها.
وفي الفترة 1210 حتى 1250 ، غزت شروح وكتبات ابن رشد كل المراكز العلمية في أوربا وعلى رأسها باريس ، وبين 1230 و 1250 كان أبن رشد قد فرض سلطان فكره وشروحه على العقول ، مما دفع أباء الكنيسة للتصدي له.
وهكذا كلف البابا” الاسكندر الرابع” ألبرت الكبير وهو أول من أراد استيعاب أرسطو في علم اللاهوت المسيحي بنقض مقولة ابن رشد الخاصة بخلود النفس الإنسانية الفردية.
واستجاب ألبرت لذلك بأن وضع عام 1255 كتاب “في وحدة العقل ضد ابن رشد” الذي أدمجه فيما بعد في خلاصته اللاهوتية بعد أن أدخل عليها تعديلات هامة.
ولم تتوقف جهود البابا الاسكندر عند هذا الحد. فقد كلف توماس الاكويني أيضا بوضع كتاب يحارب فيه الهرطقات الفلسفية الجديدة ، وعلى الفور بدأ تواس في تأليف كتابه الشهير “الرد على الوثنيين”.
لقد وضع انتشار الرشدية اللاتينية في أوربا المسيحية في النصف الثاني من القرن الثالث عشر، الفكر المسيحي في أزمة إذ انصبت جهود ألبرت الكبير وتلميذه توماس على انتشال هذا الفكر من أزمته والتي بلغت ذروتها بين 1267-1277 وهي السنوات العشر التي كتب فيها “سيجردي برابانت” أخطر كتبه الرشدية النزعة. ففي عام 1267 أثار ما يدرسه أساتذة كلية الآداب المفتونون بابن رشد رد الفعل القديس بونافنتورا Bonaventure وأعلن تواس أن “الضلالة الرشدية قد انتشرت منذ وقت طويل في العديد من العقول”.
لقد أصبحت الرشدية تشكل خطرا على العقيدة المسيحية فكان لا بد من تعبئة الجهود “لإنقاذ العقيدة وإنقاذ أرسطو من شروحه وبلغت الأزمة ذروتها لدرجة دفعت أسقف باريس أتين تمبييه E.Tempiet إلى إصدار قرار تحريم جديد في 10 ديسمبر 1270 ، يحرم فيه ثلاثة عشر قضية رشدية.
ويبدو أن هذا التحريم لم يكن كافيا ، فقد قام أسقف باريس بإصدار تحريم آخر عام 1277. مكونا من 219 قضية ، وموجها ضد أساتذة كلية الآداب بباريس ، على رأسهم سيجر دي برابانت. إلا إن هذا التحريم لم يحل دون استمرار سيجر دي جماعته في باريس في تدريس الرشدية ، حتى حكم على هذا الفيلسوف الجريء ومثل أمام مندوب بابوي ، ليموت مقتولا عام 1281.
لكن الرشدية لم تنته بهذه القرارات القاسية بل استمرت في باريس وفي مدن أخرى في كل أنحاء أوربا حتى القرن السابع عشر.
ففي القرن الرابع عشر كان هناك مدرسة تحمل راية الرشديون بعدة خصائص أبرزها أنهم استبدلوا بكتب أرسطو شروح ابن رشد. وأهم شخصية ضمن هذه المجموعة هو دوبا كونتورب DE.Baconthorb وجان دو جاندان J.DE Jandun.
كما لعبت جامعة بادو دورا كبيرا في الدفاع عن الرشدية التي واصلت الحياة فيها حتى القرن السابع عشر،تاريخ وفاة اخر ممثلي المدرسة الرشدية سيزار كريمونيني Cesar Crémonni عام 1631.
وكان قد طرأ تحول على موقف الكنيسة من الرشدية في القرن السادس عشر. فأصبحت الكنيسة تؤيد صراحة دراسة أرسطو وتعترف بأن ابن رشد هو شارحه الأعظم ، ومن أبرز ممثلي الرشدية في هذا القرن نيفوس Niphus ، الذي تمسك بنظرية ابن رشد في وحدة العقل ، كما شرح كتب ابن رشد وعلى رأسها “تهافت التهافت” ، وأصدر ما بين 1495 طبعة كاملة لأعمال ابن رشد ، التي أعيد فيما بعد طبعها عدة مرات.
إن هذا الأثر الكبير لابن رشد وفكره يعود قول لانج LANGE في كتابه ” المادية” كل قيمة ابن رشد في كونه بلور نتائج الفلسفة العربية الأرسطية التي كان هو آخر ممثليها العظام.
كان ابن رشد أكثر من شارح لأرسطو، وأكثر من جامع لكل النتائج الفلسفة العربية الأرسطية.
فقد أضاف الكثير لأرسطو مكملا وموضحا مواطن الغموض فيها واستطاع من خلال ما أتى به من فكر جديد أن يخلف ورائه مدرسة استمرت في أوربا لعدة قرون.
بين ابن رشد وابن ميمون
مات ابن رشد في مراكش عام 1198 أما ابن ميمون فقد التجأ إلى مدينة فاس عام 1160 ثم إلى القاهرة عام 1165 حيث احتل وظائف كبيرة ومهمة (من بينها زعيم الطائفة اليهودية ، وطبيب الفاضل ، ووزير صلاح الدين الأيوبي (ثم مات عام 1204 أي بعد ست سنوات فقط من موت ابن رشد.
ونلاحظ أن المسيحيين واليهود يأنفون حتى اليوم عن الاعتراف بأي مديونية فكرية أو ثقافية للفكر العربي-الإسلامي الكلاسيكي ، بل ويصل الأمر باليهود إلى حد إهمال التذكير بأن كل مؤلفات ابن ميمون كانت قد صممت وكتبت باللغة العربية نقول ذلك ونحن نعلم أن كتب السيرة والمؤرخين يذكرون أن ابن ميمون قد اعتنق الإسلام ، وحتى فهم إمكانيات التوصل الثقافي والانقسامات العقائدية والشعائرية بين الطوائف الدينية في القرون الوسطى.
وعلى أي حال فمن المهم أن تشير إلى أن أعمال هذين الفكريين لها علاقة بالفلسفة والعلوم الدينية في آن معا. إن ابن رشد هو الذي عمق العقلانية الأرسطوطالسية في شروحا ته المكثفة جدا. وهو إذ خلق الشروط (أو الظروف) الفكرية الجديدة التي استفاد منها كل من ابن ميمون بالنسبة لليهود والقديس توماس الأكويني بالنسبة للكاثوليك لقد استفاد منها من أجل بلورة أنظمة لاهوتيه لم تبطل كليا حتى يومنا هذا.
لقد نهض ابن رشد ضد الأفلاطونية الجديدة لفلاسفة ” المشرق” وضد الضعف الجدلي للمتكلمين المسلمين الأشاعرة ، وضد الدوغمائية التبسيطية والشرعوية للفقهاء ، وحاول أن يضع محل ذلك المنهجية البرهانية (او التحليلية أو الأنالوطيقا) ، ثم الحاجة الجدلية (أو الطوبيقا) ، ثم المجادلة الخطابية (أو الخطابة) ثم المقولات المنطقية) (أو الأورغانون = آلة المنطق) وهي مجمل الأشياء التي تحدد الموقف الفلسفي والممارسة الفلسفية لأرسطو. ومن خلال هذا الجهد المبذول لعلقنة المعرفة لا يبدو أن ابن رشد قد تعرف على مكتسبات المعتزلة. والمعتزلة كانت تمثل مدرسة مهمة عملت الكثير بين القرنين الثاني والرابع الهجري/ أي الثامن والعاشر الميلادي من أجل زيادة الثقة بالعقل. ولكن تعاليمنا ومكتسباتها المعرفية لم يتح لها أن تنشر في الغرب الإسلامي (أي في الأندلس والمغرب الكبير) بسبب معارضة الفقهاء المالكيين لها ، وهذا هو سبب عدم تعرفه عليها. وهم الفقهاء أنفسهم الذين أمروا بسجن ابن رشد في أواخر حياته.
الموقع السياسي والاجتماعي للفقهاء
في الحقيقة أن هذا الموقع يمثل أحد المعطيات الدائمة لتاريخ الفعالية الفكرية بشكل عام ، والفكر الديني بشكل خاص في الغرب الإسلامي. إن الضغط الإيديولوجي القوي كان قد فرض في كل مكان المذهب المالكي بصفته التجسيد الوحيد للإسلام (أو التغيير الوحيد الإسلام).
فبعد سقوط خلافة قرطبة (عام 1031 م) وتفكك السلطة في إمارات الطوائف ، والضغط المتزايد لحماية استرجاع اسبانيا من قبل المسيحيين ، راح الإسلام يغذي إيديولوجيا كفاحية (هي الجهاد) من أجل تجييش أكبر عدد ممكن من الناس. وهذا ما شجع على ازدياد أهمية دور الفقهاء ثم بشكل أكثر ازدياد أهمية الدعاة الشعبيين و الوعاظ،ولذا فبدلا من أن نتحدث عن “تعصب” المرابطين والموحدين ، فإنه ينبغي علينا أن نتحدث عن الشروط الاجتماعية والإيديولوجية لكيفية ممارسة الفكر في الغرب الإسلامي.
فالصعوبات التي اصطدم بها ابن رشد والاعتناق الظاهري لأبن ميمون للإسلام ، كل ذلك يدل على مناخ عام. وفيما وراء الحالة الأندلسية فإنما يدل على ذلك الصراع العتيق الذي اندلع في الإسلام بين العلوم العقلانية (أو الدخيلة)، وبين العلوم الدينية أو التقليدية (أي النقية).
ويمكن القول أن الصراع الذي جرى بين المعتزلة والحنابلة في بغداد في القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي يعبر في آن معا عن انقسام سوسيولوجي ثقافي ، ثم عن الحدود الفلسفية الخاصة بملكات المعرفة وطرقها وأماكنها.
كان الغزالي الذي مات (1111م) قد خلع على هذا التضاد بعدا تأمليا استحوذ على اهتمام ابن رشد بعد قرن من ذلك التاريخ ، والواقع أن مؤلف “إحياء علوم الدين” قد خاض المعركة ضد النزعة الحرفية الجافة للفقهاء ، وضد التركيبات الغنوصية للباطنية ، وضد الانحرافات المهرطقة للفلاسفة. وكل ذلك باسم الدين الروحاني المنفتح على العقلانية الممارسة داخل الحدود الصارمة لظاهرة الوحي ، هذه الظاهرة التي تتعالى عن كل تفحص نقدي.
لقد اختار ابن رشد الغزالي كمحاور لكي يتقدم فلسفيا (اليوم نقول علميا) بالمسألة الحاسمة الخاصة بالعلاقات بين الفلسفة والدين. أنظر عنوان كتابه : “فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال” وفيه يرد على كتاب الغزالي الذي يحمل العنوان التالي : “فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة ثم حاول ابن رشد في كتاب الغزالي “تهافت الفلاسفة”.
وبشكل عام نلاحظ أن ابن رشد قد حط من قدر منهجية المتكلمين في كتابه “الكشف عن مناهج الأدلة” كما أنه رسالة مهمة في أصول الفقه هي “بداية المجتهد”.
إن كل هذه المؤلفات تبرهن لنا إلى أي مدى كان ابن رشد يريد أن يظل مفكرا مسلما يتحمل فكريا بكل ثقافته الفلسفية والمعرفة العلمية المتوافرة في عصره ، يتحمل مسؤولية جميع المشاكل التي تولدت عن المقارعة بين ظاهر الوحي القرآني ، وبين الموقف الفلسفي المحض الأكثر صرامة. لقد بتر المسيحيون اللاتينيون ، وعلى إثرهم “ارنست رنيان” ، فكر ابن رشد عندما لم يروا فيه إلا الشارح لأرسطو.
وأما المسلمون فقد ارتابوا بالفيلسوف وتوجسوا خيفة منه إلى درجة أنهم نسوا المفكر أو أهملوه تماما. (إي لم يروا إلا الفقيه أو قاضي القضاة).
لقد استعاد ابن ميمون بالنسبة لليهود ، والقديس توما الاكويني بالنسبة للمسيحيين (الذين كانوا آنذاك جميعهم كاثوليك) المشروع الفكري لأبن رشد. فقد استخدما العلوم الفلسفية ذاتها ، والأطر الفكرية ذاتها ، والجهاز المفهومي ذاته من أجل عقلنة ظاهرة الوحي المتلقاة في كل تراث من الثلاثة. بهذا المعنى فإن ابن رشد هو الرائد الذي فتح الطريق. فقد كانت المسألة المطروحة على الأديان الثلاثة هي التالية : كيف يمكن التوفيق بين الإيمان/والعقل ؟ أو بين القانون الديني والمعارف الضرورية أو الكونية للغة الدينية/ وبين مجريات منطق أرسطو ومقولاته ؟ بالطبع فإن التوراة ، والقانون الكنسي المسيحي ، والشريعة ، كانت تحتفظ بمرتبة الأولوية ضمن هذا المنظور. فهي تعبر عن وصايا الله وأوامره ، هذه الوصايا الموضحة والمشروحة من قبل الفقهاء المتبحرين في العلم والمتدربين على مناهج تأويل كلام الله. لم تكن الصعوبات تتعلق عندئذ بالأحكام المستخلصة من الوحي على هذا النحو ، وإنما كانت تخص بالأحرى الأسس العقائدية للشرع ذاته (أي القانون الديني). وقد حصلت المقارعة (أو المجابهة) مع الفلسفة على ثلاث مسائل أساسية : الأولى هي مسألة خلق العالم ، والثانية مسألة السببية والثالثة مسألة مصير النفس (خلود النفس وثانية النفس/الجسد).
نحن نعلم أن الفكر والثقافة ذات التعبير العربي قد شهدا ذروة ازدهارهما في القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي بفضل تراكم الأعمال الكبرى المنتجة في الشرق كما في الغرب الإسلامي منذ القرن الثاني الهجري/الثامن الميلادي كما رأينا سابقا.
فقد كانت السيادة الفكرية والعلمية آنذاك للعلم العربي وأكثر دليل على ذلك حركة الترجمة الواسعة التي نقلت إلى العبرية واللاتينية عدد كبيرا من المؤلفات العربية ، في مجال الفلسفة ، والطب ، والعلوم الطبيعية. وكلها كتب ألفت بالعربية من قبل باحثين لم يكونوا جميعهم مسلمين.
فاليهود والمسيحون الذين كانوا الذين يعيشون في الفضاء الثقافي العربي كانوا يفكرون ويكتبون مباشرة باللغة العربية. وكانوا يغنون بذالك دائرة معرفية وفعالية فكرية تتجاوز أن الحدود الدوغمائية (أو العقائدية) المثبتة من قبل المعتقد الديني لكل طائفة .
يعتبر ابن ميمون أحد كبار المفكرين اليهود الذين صمموا وألفوا كتبهم بالعربية. وتم ذلك في فضاء التلاقي الفكري والثقافي الذي كانت تمثله بشكل خاص الفلسفة. نقصد الفلسفة بحسب الفهم القروسطي أو الممارسة القروسطية لها.
ولكن كتبه ترجمت بسرعة إلى اللغة العربية. فكتابه {دلالة الحائرين” كان قد ترجم منذ عام (1204) من قبل صموئيل ابن طيبون. وهذا ما أدى إلى نسيان اليهود للمناخ الفكري والقيم الثقافية التي نشأ في أحضانها ابن ميمون ، وكتب واشتغل وترعرع. وبما أن الصراع الأيدلوجي بين العرب والإسرائيليين قد وصل إلى مداه الأقصى في وقتنا الحاضر فإن الكثير من اليهود يأنفون عن الاعتراف بأي علاقة لابن ميمون بالفكر العربي. إنهم يحاولون طمس العلاقات العميقة والوثيقة التي تربط بين هذا المفكر الكبير وبين اللغة العربية والفكر العربي. وهذه الحالة بالذات هي التي تجعل دور الوسيط الذي لعبه ابن ميمون مهما جدا وثمينا جدا.
ويمكننا أن نقول الشئ ذاته عن القديس توما الاكويني ، على الرغم من أنه صمم وكتب كل أعماله باللغة اللاتينية فهو مدين ثقافيا وفلسفيا إلى ابن رشد أيضا.
وهذه المديونية تجعل منه أيضا شاهدا على مناخ كامل من الفكر والوجود البشري وأحد منشطيه أو الفاعلين فيه. وهذا المناخ الفكري يركز على نظام قيمي مشترك لدى كل الفضاء العقلي القروسطي الشائع فيما كنت قد دعوته بمجتمعات الكتاب المقدس. وأقصد بمجتمعات الكتاب المقدس جميع المجتمعات التي أسست نظامها ووجودها وثقافتها على ظاهرة الوحي وعلى الثقافة الفلسفية التي تعطي الأولوية للبحث عن التماسك العقلاني.
إن هذين المحورين الكبيرين المتمثلين بالوحي والعقلانية العلمية والفلسفية قد فرضا على الفكر القروسطي أيا تكن مرجعياته الدينية الخاصة توثرا تثقيفيا خصبا مع حصول تناوب في السيادة أو في الأغلبية. فأحيانا يتغلب الدين والتراث “الأرثوذكسي” وأحيانا يتغلب العقل. كل الفكر القروسطي كان مطبوعا ومتأثرا بهذه الازدواجية الثنائية : أي كيف نوفق بين ظاهرة الوحي ، وبين الإكراهات الضرورية للعقل ؟
لقد توصل ابن رشد وابن ميمون على مستواهما الشخصي إلى توازن حقيقي فيما يخص التوفيق بين العقل والإيمان. وعبرا عن ذلك من خلال نظام فكري شديد الإتقان والبلورة وهضما داخل هذا النظام المعارف العقلانية (أي الفلسفة) ثم القانون الديني (أي الشريعة) مع كل تقنياتها في بلورة الأحكام واستخراجها.
كان ابن رشد يلح مثل ابن ميمون وأكثر منه ، على ضرورة عدم كشف “الحقائق الفلسفية للعامة ولأولئك الذين ليسوا أهلا لها أو جديرين به. ولم يكن يفعل ذلك لأنه كان يتبنى مفهوما ارستقراطيا ومتعاليا عن الفلسفة ، أو لأنه كان يريد أن يحافظ على سمعته عن طريق إظهار نفسه بأنه مسلم حقيقي. لا، وإنما كان يفعل ذلك لأنه كان يشاطر الفقهاء الآخرين (ومن بينهم الغزالي) الاقتناع الديني المحض بأنه ينبغي علينا أن نستخدم منهجية تربوية حذرة جدا لكي لا “نحرف المؤمنين عن القانون الإلهي الذي يهتم بصحة النفوس كما يهتم الطبيب بصحة الأجساد”.
مهما يكون من أمر فإن قرن ابن رشد وابن ميمون الذي تلاه مباشرة قرن توما الاكويني يستحق أن يدرس ضمن منظور إعادة تجميع أوصال الفكر القروسطي فيما وراء المتطلبات بالهيمنة. واليوم نلاحظ أن اليهود والمسيحيين والغربيين بشكل عام يظلون لا مبالين ، إن لم يكونوا معادين – أسباب مختلفة – لأي دمج للمرحلة العربية الإسلامية في التاريخ العام للفكر البشري
قم بكتابة اول تعليق