موند بريس / بقلم: دة.سعاد السبع
في المسار السياسي المغربي تشكلت التعددية الحزبية عبر تراكم تاريخي طويل ارتبط بتطور الدولة وبحركية المجتمع، ثم تعززت دستوريا مع اعتماد دستور المغرب الذي أسند للأحزاب وظيفة التأطير والمشاركة في بلورة الإرادة العامة. هذا المسار لم يكن مجرد ترتيبات تنظيمية وإنما تجربة ممتدة تعكس تحولات الوعي السياسي وتبدلات أنماط الوساطة بين المجتمع ومؤسساته المنتخبة.
غير أن تطور الأطر القانونية لا يفضي تلقائيا إلى استقرار ثقافة سياسية ناضجة. فالمجال الحزبي شأنه شأن كل الحقول الاجتماعية يتحرك داخل شبكة معقدة من المصالح والرموز والرهانات.
فبيير بورديو يرى أن الفضاءات الاجتماعية تتشكل حول صراع على الرأسمال الرمزي، حيث يسعى الفاعلون إلى تثبيت مواقعهم وتوسيع دوائر تأثيرهم. في هذا السياق يمكن فهم كثير من التوترات الحزبية باعتبارها سعيا إلى تعزيز الشرعية وإعادة تعريف موقع كل تنظيم داخل المشهد العام.
المقاربة السوسيولوجية: دينامية التموقع وإعادة توزيع الشرعية
تُظهر القراءة السوسيولوجية أن التعددية لا تُختزل في عدد الأحزاب، بل في طبيعة التفاعل بينها وفي نوعية الخطاب الذي تنتجه. حين تتجه الطاقات إلى مراقبة التفاصيل الصغيرة في أداء الخصوم، ويُمنح الخطأ حجما يفوق سياقه، يتراجع النقاش البرامجي لحساب إدارة الصورة العامة. ويغدو الفضاء السياسي مسرحا لإعادة ترتيب مواقع التأثير أكثر مما يكون ورشة لتطوير السياسات العمومية.
وقد أشار محمد عابد الجابري إلى أن: “الديمقراطية مسار ثقافي قبل أن تكون تقنية إجرائية”، وهو قول يسلط الضوء على أهمية البعد القيمي في العمل الحزبي. فالتعددية تحتاج إلى ثقافة مؤسساتية راسخة تؤمن بأن الشرعية تُبنى عبر الإنجاز والتواصل المسؤول، وأن الاختلاف عنصر طبيعي في الحياة السياسية لا يهدد وجود الفاعلين بقدر ما يثري النقاش العمومي.
ونجد أن التجربة المغربية راكمت لحظات توافق مهمة، ومرت أيضا بمحطات احتداد رمزي يعكس صعوبة الانتقال من منطق التعبئة التاريخية إلى منطق التدبير الاستراتيجي. هذا الانتقال يتطلب إعادة تعريف دور الحزب باعتباره مؤسسة اقتراح وتأطير، لا مجرد فاعل ظرفي يتفاعل مع إيقاع الأحداث.
المقاربة النفسية: الهوية الجماعية وقلق الاعتراف
من زاوية علم النفس الاجتماعي يمكن قراءة بعض مظاهر التوتر الحزبي في ضوء مفهوم الهوية الجماعية. فكل تنظيم سياسي يبني سردية خاصة حول رسالته ودوره، وتتكون داخله صورة رمزية عن الذات الجماعية. وعند شعور هذه الذات بتهديد رمزي أو بتراجع في التأثير تنشط آليات دفاع تهدف إلى إعادة تثبيت الشعور بالقيمة والانتماء.
وقد تحدث إريك فروم عن النزوع الإنساني إلى الاحتماء بالهويات الصلبة حين يشتد القلق. أما في المجال السياسي قد يظهر هذا القلق في شكل تشدد لغوي أو توسيع دائرة الاتهام أو تضخيم الهفوات باعتبارها دليلا على خلل جوهري لدى الطرف الآخر. هذه الميكانيزمات لا تُفهم بوصفها انحرافا فرديا، بل كاستجابة نفسية جماعية لضغط المنافسة والرغبة في الحفاظ على التماسك الداخلي.
ومن زاوية علم النفس السياسي، فيبرز كذلك أثر الاعتراف المتبادل في تعزيز الاستقرار المؤسسي. وحين يشعر الفاعلون بأن حضورهم مشروع ومعترف به، ينخفض منسوب التوتر ويتجه الجهد نحو تطوير البرامج. أما عندما يسود مناخ من الشك المتبادل، فإن الخطاب يميل إلى التحصين الداخلي بدل الانفتاح على المجتمع.
أثر التنافس على الثقة العمومية
الثقة في العمل السياسي تتغذى من وضوح الرؤية واستقرار الخطاب. وعندما يطغى الإيحاء بوجود صراعات مكتومة أو حسابات غير معلنة، يتولد لدى الرأي العام شعور بالمسافة.
وقد أشار هابرماس إلى أن المجال العمومي يقوم على التواصل العقلاني القائم على الحجة، حيث تتشكل القناعة عبر النقاش المفتوح. هذا التصور يضع على عاتق الفاعلين مسؤولية إنتاج خطاب يُطمئن المجتمع إلى أن التنافس يجري داخل قواعد واضحة.
إن حيوية الحياة السياسية في المغرب تعكس حضورا متنوعا للأحزاب وتفاعلا مستمرا مع القضايا الوطنية. غير أن تعميق هذا الحضور يستدعي تعزيز أخلاقيات النقاش وترسيخ ثقافة مؤسساتية تُعلي من قيمة المشروع الجماعي. فالسياسة في جوهرها عبارة عن ممارسة تتصل بتدبير المصالح العامة وصياغة التوازنات المجتمعية في أفق تنموي طويل المدى.
فمونتسكيو ربط الحرية السياسية بالشعور بالأمان داخل إطار قانوني عادل. هذا المعنى يتقاطع مع الحاجة إلى فضاء حزبي يمنح المواطنين إحساسا بالاستقرار والثقة في أن الاختلاف يُدار بروح المسؤولية. والتعددية تتيح تنوع المبادرات والبرامج، وتفتح المجال أمام تجديد النخب وإعادة إنتاج الأفكار، وهو رصيد مهم ينبغي استثماره بوعي استراتيجي.
نحو نضج سياسي أعمق
المسار الديمقراطي عملية تراكمية تتطلب صبرا مؤسساتيا وتطويرا مستمرا لثقافة الحوار. ففي الحالة المغربية نجد وفرة عناصر عديدة لبناء مشهد حزبي أكثر انسجاما مع تطلعات المجتمع من بينها الإطار الدستوري المتقدم، الخبرة التراكمية في إدارة التحولات والحضور المتزايد لفاعلين شباب يحملون رؤى جديدة.
الرهان اليوم يتصل بترسيخ مناخ يُمكّن التعددية من أداء دورها الكامل في إنتاج الأفكار وتطوير السياسات، مع صيانة الثقة المتبادلة داخل الحقل السياسي. فالمجتمع ينتظر من أحزابه وضوحا في الرؤية، واتساقا في الخطاب، وقدرة على إدارة الخلاف ضمن حدود المسؤولية الوطنية.
السياسة المغربية تقف عند مفترق يتطلب تعميق الوعي بأن التنافس طاقة دافعة متى أحسن توجيهها، وأن قوة التجربة تكمن في قدرتها على تحويل الاختلاف إلى مصدر إبداع مؤسساتي. في هذا الأفق يصبح العمل الحزبي رافعة للثقة العامة، ومساحة لبناء مشروع جماعي يستجيب لانتظارات المواطنين ويعزز مسار الإصلاح.
قم بكتابة اول تعليق