موند بريس / بقلم: دة.سعاد السبع
في زمن صار فيه التفكير فضيلةً مُعلَنة تحوّل الإفراط في التحليل إلى عبءٍ خفيّ لا يُصفَّق له لأنه لا يُرى ولا يُدان لأنه يتخفّى في هيئة وعيٍ زائد. إنها متلازمة المُحلِّل المُفرِط، ذلك الميل القهري إلى تفكيك كل شيء، الكلمات، الإيماءات، النوايا، الاحتمالات… حتى يفقد الحدث بساطته وتذبل اللحظة قبل أن تُزهِر.
والمفارقة أن هذا السلوك يولد غالبا من نية حسنة. ألا وهي الرغبة في الفهم، في الحماية، في تجنّب الخطأ. غير أن النية حين تنفلت من ميزانها تصنع عكس ما تروم. فبدل الطمأنينة يولّد التحليل المفرط قلقا، وبدل الحكمة يراكم شكًّا، وبدل الحضور يُنتج غيابا ناعما.
يقول مونتين: “أعظم ما يعذّب الإنسان هو ما يتخيله” والتحليل المفرط مصنعٌ نشيط للتخيلات.
فعلى المستوى النفسي يشتغل هذا النمط بوصفه آلية ضبط وهمية، حيث أن العقل يُقنع صاحبه بأن السيطرة ممكنة إذا ما أُحيطت كل التفاصيل بسياج التأويل. فيتحوّل السؤال البسيط إلى متاهة احتمالات، وتتحول الإشارة العابرة إلى قضية مفتوحة. هكذا تُستهلك الطاقة الذهنية في المراجعة الدائمة، ويُصاب الجهاز الانفعالي بالإرهاق. وكما حذّر كارل يونغ قائلا: “العقل الذي لا يتوقف عن التفكير يُعطّل القلب عن الإحساس”.
أما اجتماعيا فتتغذّى المتلازمة من ثقافة الأداء والكمال، ومن خطابٍ يربط القيمة بالذكاء التحليلي، ويُشيطن العفوية باعتبارها سذاجة. كما في الفضاء الرقمي حيث يتضاعف الأمر، كل منشور احتمال، وكل صمت رسالة، وكل تأخير معنى. نُعيد قراءة الرسالة عشر مرات ونؤوّل النبرة ونقيس المسافات الزمنية بين الردود فنصنع من التواصل حقل ألغام. ويصير القرب امتحانا واللقاء مشروع تحقيق.
أما في العلاقات الإنسانية يدفع ثمن التحليل المفرط الطرفان. بحيث أن المُحلِّل يعيش في رأسه أكثر مما يعيش مع الآخر، والآخر يشعر بأنه موضوع دراسة لا شريك حياة. فالحب يحتاج مساحة للخطأ، والصداقة تحتاج هامشا للبساطة، والعائلة تحتاج ثقة لا تُرهَق بالأسئلة.
يقول في هذا الإطار أنطوان دوسانت-إكزوبيري: “الجوهر لا يُرى بالعين” وكثرة التفكيك تُعمي عن الجوهر.
وللمتلازمة وجهٌ معرفي أيضا، فحين نُجزِّئ التجربة إلى شظايا نفقد قدرتنا على تركيب المعنى، نعرف الأسباب ولا نذوق الأثر، نفهم الآليات ولا نختبر الدهشة. هانا آرندت نبّهت إلى أن التفكير حين ينفصل عن الحياة يتحول إلى ممارسة عقيمة، والمعرفة التي لا تُعاش تتحول إلى ثقل.
واللافت أن المُحلِّل المُفرِط نادرا ما يستريح، حتى الفرح يمرّ عبر غربال الأسئلة: لماذا أنا سعيد الآن؟ ماذا لو انتهى؟ ماذا يعني هذا الشعور؟ فيُختصر الفرح إلى تقرير، وتُختزل اللحظة إلى ملاحظة. يقول نيتشه: “نقتل ما نُحِب حين نُفرِط في تفسيره” وهي عبارة تُلخّص مأساة المتلازمة.
والسؤال الذي يطرح نفسه هو: ما الذي يُخفّف وطأة هذا النمط؟
لتحقيق ذلك لابد من إعادة الاعتبار للحضور، وأن نسمح للحظة بأن تكون قبل أن نشرحها.
كما يجب رفع الثقة في الذات، في الآخر وفي الحياة بما تحمله من مفاجآت.
بجب كذلك القبول باللايقين بوصفه شرطا إنسانيا لا خللا يجب إصلاحه. ف ألبر كامو يرى أن الشجاعة ليست في إيجاد المعنى دائما بل في العيش رغم غيابه المؤقت.
كما ليس المطلوب إسكات العقل، ولا تمجيد السطحية، بل المطلوب ميزانٌ رحيم بين الفهم والعيش، بين التحليل والتذوق، بين السؤال والاحتضان. علينا أن نُفكِّر بما يكفي لنحيا بوعي، وأن نعيش بما يكفي لنمنح التفكير معنى.
وفي الختام إن الحياة لا تُطالَب بأن تُفسَّر بالكامل كي تُعاش. فبعض المعاني تُدرَك بالاقتراب لا بالتشريح. وبعض الحقائق تُلمَس حين نُخفِّف قبضتنا عنها.
يقول ريلكه: “عِش الأسئلة الآن… وربما تعيش يوما الجواب دون أن تشعر”
قم بكتابة اول تعليق