متلازمة كثرة التبرير: حين يتحوّل الوجود إلى قضية دفاع

موند بريس / بقلم: دة. سعاد السبع

في الظاهر يبدو التبرير سلوكا مهذبا، وفي العمق هو أحد أكثر أعراض الخوف شيوعا في المجتمعات المعاصرة.
فنحن نبرّر اختياراتنا، مشاعرنا، صمتنا، بل وحتى تعبنا…
كأن الوجود وحده غير كافٍ، وكأن “أن نكون” يحتاج إلى ملفّ مرافِق.
فنحن لسنا أمام عادة لغوية، بل أمام متلازمة نفسية–اجتماعية ، تتخفّى خلف اللباقة ، وتعمل في صمت: متلازمة كثرة التبرير.

من الشرح إلى محاكمة الذات

التبرير في أصله آلية دفاعية مشروعة تلجأ إليها النفس حين تشعر بالتهديد أو سوء الفهم.
لكن حين يصبح نمطا دائما
يفقد وظيفته الدفاعية
ويتحوّل إلى محاكمة داخلية مستمرة.
فالفرد هنا لا يشرح موقفه للآخر، بل يقدّم مرافعة
أمام قاضٍ يسكن داخله.
ويحضر هنا المعنى العميق لما قاله كارل يونغ:“ما لا نواجهه في داخلنا يظهر في حياتنا على هيئة مصير.”
كثرة التبرير إذن ليست ضعفا في الشخصية، بل نتيجة صراع غير محسوم مع الخوف من الحكم.

الخوف من الحكم: السلطة التي لا تُرى

نعيش داخل ثقافات تُكافئ الامتثال أكثر مما تحتفي بالصدق.
فالاختلاف يُقابَل بالسؤال،
والسؤال غالبا لا يبحث عن فهم، بل عن تصنيف، وأحيانا عن إدانة ناعمة.
ومع التكرار يتحوّل الصوت الخارجي إلى رقيب داخلي يُجبر الفرد على شرح نفسه حتى قبل أن يُسأل.
وهنا نستحضر بدقة طرح ميشيل فوكو: “أخطر أشكال السلطة هي تلك التي يمارسها الفرد على نفسه”.
وكثرة التبرير هي أحد أشكال هذه السلطة الداخلية.

المقاربة العيادية: الجذور النفسية للمتلازمة

من منظور علم النفس العيادي، ترتبط متلازمة كثرة التبرير غالبا بـ:
* التعلّق القَلِق: حيث يخشى الفرد فقدان القبول إذا لم يُرضِ الآخر.

* تنشئة قائمة على المشروطية:
“نحبك إذا شرحت”، “نقبلك إذا أقنعت”.

* تاريخ من النقد أو التقليل من المشاعر.

* ضعف الحدود النفسية.

فالطفل الذي يُطالَب دائما بتبرير حزنه أو خوفه
سيتعلّم أن مشاعره وحدها غير كافية، وأن عليه “إقناع” العالم بألمه.
ومع الزمن يتحوّل التبرير إلى آلية بقاء.

حين يصبح الصدق عبئا اجتماعيا

في بيئات لا تحتمل الاختلاف لا يكون الصدق قيمة بل مخاطرة.
فأن تقول “لا” يتطلّب شرحا، وأن تختار نفسك
يستدعي دفاعا، وأن تصمت يُفسَّر اتهاما.

وهنا يصدق المعنى الذي عبّر عنه إريك فروم: “الخوف من الرفض قد يدفع الإنسان إلى خيانة ذاته.”
في مثل هذا السياق لا يُكافَأ الواضح بل المبرَّر.

متى يصبح التبرير علامة خطر نفسي؟

يصبح التبرير مؤشرا إكلينيكيًا مقلقا حين:

* يسبق الفعل دائما
* يرافق أبسط القرارات
* يُستعمل مع من لا يملك حق السؤال
* يولّد شعورا دائما بالذنب
* يجعل الفرد يعتذر عن ذاته لا عن أخطائه

هنا لا نكون أمام تواصل صحي، بل أمام تآكل صامت للهوية.

التحرر: علاج لا يبدأ بالصمت بل بالحدود

فالتحرر من متلازمة كثرة التبرير لا يعني العدوانية أو الانغلاق، بل إعادة بناء العلاقة مع الذات:

* التمييز بين الشرح والاعتذار عن الوجود
* تقبّل فكرة أن عدم الفهم لا يعني الخطأ
* الإيمان بأن بعض الصمت حماية لا هروب

يقول لاو تزو: “من يعرف لا يكثر الكلام.”

أن نكون… دون مرافقة تفسيرية

الشفاء يبدأ حين يقول الإنسان: هذا أنا ثم لا يُضيف شيئا. ليس عجزا عن الشرح، بل وعيا بأن الوجود لا يحتاج إلى تبرير،
وأن السلام الداخلي يبدأ حين نتوقّف عن الدفاع عن حقّنا في أن نكون.

قم بكتابة اول تعليق

اترك رد