متلازمة المتردد الأبدي: حين يتحول فائض الوعي إلى شلل داخلي

موند بريس /  بقلم: دة.سعاد السبع

في سياق اجتماعي يُمجّد السرعة ويقيس القيمة الفردية بقدرة صاحبها على الحسم، يتنامى شكل صامت من المعاناة النفسية لا يُرى بسهولة لأنه يتخفى في هيئة عقلانية مفرطة. فالتردد الذي كان يُنظر إليه بوصفه لحظة تفكير صحية يتحول لدى فئة واسعة من الأفراد إلى حالة مزمنة تستنزف الذات من الداخل. وهنا يتجلى ما أشار إليه إريك فروم حين نبّه إلى أن الإنسان الحديث بات يفكر في الحياة أكثر مما يعيشها، إذ يغدو الوعي المتضخم عبئا نفسيا ويصبح التفكير غاية في ذاته بدل أن يكون جسرا للفعل.
وضمن هذا المناخ تبرز متلازمة المتردد الأبدي بوصفها تعبيرا مركّبا عن خلل عميق في علاقة الفرد بالاختيار، حيث يتراجع الفعل أمام سطوة التحليل وتتآكل الجرأة أمام هاجس العواقب ويتحوّل القرار إلى امتحان وجودي يهدد الإحساس بالأمان النفسي.

أولا: حين ينقلب التفكير على وظيفته

في الأصل يمكّن التفكير الإنسان من تنظيم خبرته واتخاذ قرارات أكثر وعيا. غير أن هذا الدور يتشوّه عندما يتجاوز التفكير حدّه الوظيفي فيتحول إلى حلقة مغلقة من الأسئلة التي لا تُنتج إجابات. عند هذه النقطة يفقد التفكير قدرته على التوجيه، ويتحول إلى آلية تعطيل داخلي تجعل الفرد حاضرا ذهنيا وغائبا سلوكيا.
وهذا النمط من الإفراط المعرفي لا يُعبّر عن حكمة زائدة بقدر ما يكشف عن قلق عميق من الالتزام بالاختيار. فالقرار هنا لا يُؤجَّل بحثا عن الأفضل، وإنما هربا من ثقل المسؤولية. وهكذا يصبح الوعي ساحة استنزاف بدل أن يكون أداة تحرر.

ثانيا: الخوف المقنَّع في هيئة تعقّل

في العمق لا تُدار متلازمة المتردد الأبدي بالمنطق وحده، وإنما بالخوف الذي يرتدي قناع التفكير العقلاني. فالفرد لا يخشى القرار في ذاته وإنما يخشى ما قد يكشفه القرار عنه، قدرته، محدوديته، قابليته للخطأ. وبذلك يتحقق ما أشار إليه بوذا حين اعتبر أن الخوف لا يحمي الإنسان من المصير وإنما يسلبه القدرة على العيش.
حينذاك يتحول الخوف إلى منظّم خفي للسلوك يُملي على الفرد التريث الدائم، ويُقنعه بأن التأجيل حكمة، بينما هو في جوهره تجنّب للألم المحتمل. وبذلك تُدار الحياة من منطق الوقاية لا من منطق التجربة.

ثالثا: التنشئة النفسية وصناعة الرهبة من الخطأ

غالبا ما تعود جذور هذا النمط إلى سياقات تربوية ربطت القبول بصحة الاختيار والنجاح بتفادي الخطأ. وفي مثل هذه البيئات لا يُنظر إلى الخطأ بوصفه محطة تعلم، وإنما كدليل على النقص والفشل. ونتيجة لذلك ينشأ الفرد وهو يحمل تمثّلا داخليا يجعل القرار فعلا محفوفا بالتهديد.
ومع مرور الزمن تتحول هذه الخبرات المبكرة إلى قناعات غير واعية تُعيد إنتاج التردد في كل محطة حياتية، فيختار الفرد السلامة النفسية المؤقتة على حساب النمو والتقدم.

رابعا: المجتمع الاستعراضي وتضخيم عبء الاختيار

لا يمكن فصل المتردد الأبدي عن السياق الاجتماعي الذي يعيش فيه. فالمجتمع المعاصر خاصة في ظل المنصات الرقمية يضخّم المقارنة ويحوّل حياة الآخرين إلى معايير جاهزة للتقييم. وهنا تتقاطع التجربة الفردية مع ما نبه إليه ثيودور روزفلت حين اعتبر المقارنة أحد أسرع الطرق لاغتيال الرضا.
وفي هذا الفضاء لا يُقاس القرار بمدى انسجامه مع قناعة الفرد، وإنما بمدى قابليته للمقارنة الاجتماعية. وهكذا يتضاعف التردد لأن أي اختيار يصبح ناقصا بمجرد ظهور اختيار آخر أكثر بريقا في حياة الآخرين.

خامسا: التردد كتعطيل صامت للزمن الشخصي

مع تراكم القرارات المؤجلة لا يعيش الفرد فشلا واضحا، وإنما يعيش شكلا خفيا من الجمود. مشاريع تبقى في طور الفكرة، علاقات معلّقة بين الاقتراب والانسحاب ومسارات مهنية تتوقف عند عتبة البداية. هنا يتجسد ما أشار إليه سارتر حول السجن الداخلي، حيث لا يحتاج الإنسان إلى قيود خارجية ما دام عاجزا عن مغادرة منطقة الانتظار.
وبهذا المعنى لا يكون التردد موقفا محايدا وإنما اختيارا غير معلن للّاحركة يدفع ثمنه الفرد من رصيده الوجودي دون أن ينتبه.

سادسا: تفكيك وهم القرار المثالي

التحرر من متلازمة المتردد الأبدي يمر عبر مراجعة جذرية لمعنى القرار. فالقرار في التجربة الإنسانية لا يُفترض أن يكون كاملا أو نهائيا. إنه خطوة أولى داخل مسار قابل للتعديل. غير أن الثقافة السائدة تزرع وهم القرار المثالي وتدفع الأفراد إلى انتظار لحظة يقين لن تأتي.

وإعادة بناء العلاقة مع الاختيار تقتضي القبول بالهشاشة، وبأن الخطأ جزء لا يتجزأ من التعلم. كما تقتضي استعادة الثقة بالفعل ولو عبر قرارات صغيرة تُعيد للفرد شعوره بالقدرة على التأثير في مجرى حياته.

سابعا: من فائض الوعي إلى نضج التجربة

المفارقة أن المتردد الأبدي غالبا ما يكون شخصا ذا حساسية عالية ووعي متقدم، غير أن هذا الوعي حين لا يُقترن بالفعل يتحول إلى عبء وجودي. فالنضج النفسي لا يتحقق بتكديس الأسئلة وإنما بالقدرة على العيش رغم غياب الضمانات.
وهنا يتضح أن الشجاعة لا تعني غياب الخوف، وإنما اتخاذ القرار في حضرته. فالإنسان لا ينمو داخل مناطق الأمان، بل في المساحات التي يغامر فيها بخياراته.

خاتمة: الاختيار كتحرر من الانتظار

ختاما لا تُقاس حياة الإنسان بعدد القرارات الصائبة، وإنما بقدرته على الخروج من حالة التعليق المستمر. فالتردد الأبدي وإن بدا عقلانيا في ظاهره يخفي خوفا عميقا من فقدان السيطرة. وبين التفكير والفعل يبقى الاختيار فعل تحرر يحرر الإنسان من الانتظار أكثر مما يحرره من القلق.

 

 

قم بكتابة اول تعليق

اترك رد