موند بريس / بقلم: دة.سعاد السبع
في كثير من العلاقات يجد الفرد نفسه منجذبا لشريك يحتاج إلى رعاية أو إصلاح دون أن يكون ذلك وعيا مدركا دائما. ففي متلازمة الحب العلاجي يتحول الحب من تجربة متبادلة قائمة على الدعم والاحترام إلى مشروع مستمر لإعادة تشكيل الآخر، كأن الذات ترى في علاجه فرصة لإشباع احتياجاتها الداخلية، أو لتكرار تجربة لم تُعالج في الماضي. الحب هنا ليس فقط شعورا بل مهمة ورؤية للعالم والآخرين من منظور التعديل والتحسين.
لاحظ إريك فروم أن “الحب غير الناضج يقول: أنا أحبك لأنني أحتاجك بينما الحب الناضج يقول: أنا أحتاجك لأنني أحبك”. في الحب العلاجي غالبا ما يختلط الحب بالنوازع الإشكالية، فيصبح الآخر وسيلة لتخفيف الفراغ الداخلي أو لمعالجة جروح لم يلتئم أثرها بعد.
الجذور النفسية: الرغبة في الإصلاح كاستجابة للجرح الداخلي
الفرد المنجذب للحب العلاجي غالبا ما يحمل جروحا عاطفية قديمة، ربما من طفولة مليئة بالافتقار إلى الأمان أو الحب غير المشروط. هذه الجروح تجعل الفرد يربط بين الحب والإنقاذ فيتكوّن لديه شعور بأن الحب الحقيقي يفرض القيام بمهمة ما: إصلاح الآخر أو تدارك ما يعتبره نقصا. وهكذا يصبح الشريك مشروعا مستمرا لإشباع احتياجات الذات، حيث يرى في ضعف الآخر انعكاسا لجروحه، فيسعى لإصلاحه وكأن نجاحه في التغيير هو دليل على قدرته على الحب.
وكل ضعف أو خطأ يُفسّر على أنه فرصة لعلاج قديم، وليس جزءا من طبيعة بشرية طبيعية.
الحب هنا يتحوّل إلى مشروع طويل الأمد، حيث يصبح العطاء المستمر والاهتمام المفرط وسيلة لإشباع فراغ داخلي.
ويقول يونغ: “ما نعرفه منذ الصغر يظل يجذبنا حتى لو أساء لنا”. والشخص الذي نشأ في بيئة افتقرت للحب الكامل ينجذب غالبا لشركاء يحتاجون إلى الرعاية لأنه يعرف هذا النمط ويفهمه على نحو داخلي.
الديناميكيات العاطفية: الحب كعملية إنقاذ
في الحب العلاجي يصبح الطرف المعالج في العلاقة محور التجربة العاطفية بينما الطرف الآخر غالبا لا يُطلب منه سوى الاستجابة أو السماح بالإصلاح. والنتيجة هي ديناميكية غير متوازنة:
1. الإحساس بالهدف: الشخص المنجذب للحب العلاجي يشعر بأن وجوده معنوي، وأن الحب يُختبر من خلال قدرته على إصلاح الآخر.
2. إضعاف الذات: حين يفشل الشريك في التغيير أو يكرر نمطا سلبيا حيث يشعر المعالج بالعجز والخذلان وكأن حبه لم يكن كافيا.
3. إعادة إنتاج الجرح: العملية تكرّر الجروح القديمة، إذ يختلط الحب بالسيطرة والرغبة في التعديل، ما يعيد تجربة شعور النقص أو الفقد.
“ما لا نعيشه في الداخل، نعيشه بلا وعي لاحقا” كما يقول فروم، وهذه العبارة تنطبق تماما على الحب العلاجي، حيث تسعى الذات لإعادة إنتاج ما لم تُعالج من جروحها عبر إصلاح الآخر.
الأثر النفسي والاجتماعي: دائرة لا تنتهي
الحب العلاجي يولّد دائرة مغلقة من التوتر والتوقعات غير الواقعية:
الطرف المعالج يعيش ضغطا مستمرا لتحقيق التغيير، بينما الطرف الآخر غالبا ما يكون غير مستعد لتغيير جذري.
وهنا العلاقة تصبح اختبارا مستمرا للصبر، وتتحول إلى تحدٍ أكثر من كونها مشاركة حقيقية.
اما الفرد المعالج قد يفقد قدرته على تقدير الذات خارج نجاحه في “إصلاح” الشريك، ويصبح وجوده العاطفي مشروطا بالنتيجة.
يوضح بهذا الشأن فرانكل قائلا: الحرية العاطفية لا تتحقق إلا حين يُفهم الحب كاختيار واعٍ وليس كمشروع لإصلاح، والحب الناضج يبدأ حين يستطيع الفرد أن يحب الآخر كما هو وليس كما يريد أن يكون.
البعد الفلسفي: التحكم مقابل الحرية
على المستوى الفلسفي الحب العلاجي يعكس الرغبة في التحكم بما يُمكن التعامل معه. فالمألوف بالنسبة للفرد الذي لم يتعلّم الأمان الداخلي هو أن يكون الحبيب مشروعا قابلا للإصلاح بدل أن يكون شخصا مستقلا. والألم الناتج عن فشل الإصلاح أو التكرار في الخطأ يصبح مألوفا أكثر من الحب الحر لأنه يخلق إحساسا زائفا بالسيطرة.
يقول يونغ بأن النفس تميل إلى ما هو مألوف حتى لو كان مؤذيا. وهذا يفسر انجذاب الكثيرين نحو الحب العلاجي: لأن النمط مألوف، ولأنه يعطي شعورا زائفا بالتحكم ولو كان مؤلما.
نحو التعافي: إعادة بناء الحب الحر
التحرر من متلازمة الحب العلاجي يبدأ بالوعي بالأنماط، وفهم أن الحب الحقيقي لا يقوم على الإصلاح المستمر للآخر. والخطوات الأساسية تشمل:
1. الاعتراف بالجرح الداخلي الذي يربط الحب بالسيطرة أو الإصلاح.
2. التفريق بين الحب والدور العلاجي: يمكن دعم الشريك دون أن يتحول الحب إلى مشروع إنقاذ.
3. إعادة بناء الأمان الداخلي: تعلم أن قيمة الفرد لا تُقاس بقدرته على تغيير الآخر، بل بقدرتهم على الحب والاحترام المتبادل.
4. وضع حدود صحية: السماح للشريك بالحرية مع الحفاظ على توازن العطاء وعدم الانغماس في مهمة الإصلاح المستمرة.
الحرية العاطفية تأتي حين يستطيع الفرد أن يحب دون ربط الحب بالنجاح أو الفشل في إصلاح الآخر.
الحب مسؤولية، لا مشروع إصلاح
متلازمة الحب العلاجي تذكّرنا أن الحب لا يجب أن يكون اختبارا للصبر أو وسيلة لإعادة إنتاج جروح الماضي. فالفهم العميق للجرح الداخلي، والوعي بالأنماط، وبناء الأمان الداخلي يمكن أن يحوّل الحب من مهمة إصلاح مستمرة إلى تجربة ناضجة ومتوازنة. والحب الكامل هو أن تُحَب بلا شروط، وأن يُحترم الآخر كما هو دون أن يتحول إلى مشروع دائم لتغييره.
فالحب ليس امتحانا ولا مهمة إصلاح، بل حضور متبادل وفهم عميق واختيار واعٍ يحرر الروح بدل أن يقيدها.
قم بكتابة اول تعليق