موند بريس / بقلم: دة.سعاد السبع
تترك العلاقات السامة على غرار الكوارث الإنسانية أثرا نفسيا عميقا على من ينجو منها. فالأذى النفسي المستمر، والتحكم العاطفي، والإهانة المتكررة، يولد شعورا بالضيق الداخلي والارتباك العاطفي، حتى بعد انفصال الفرد عن العلاقة. وهنا يظهر ما يطلق عليه علماء النفس متلازمة الناجي من العلاقة السامة فهي حالة معقدة تجمع بين الشعور بالذنب، القلق، فقدان الثقة بالنفس، اضطرابات المزاج… في تجربة تمتد لتشمل العقل والجسد والبعد الاجتماعي.
ويصف الطبيب النفسي ستانلي شابين هذه الحالة في سياق العلاقات العاطفية بقوله: “الناجي من العلاقة السامة يعيش انقساما داخليا بين شعور بالارتياح والتحرر وبين شعور بالذنب تجاه الطرف الآخر وكأنه مسؤول عن ما حدث سابقا.”
ومن منظور نفسي أعمق يشير د. فيكتور فرانكل في كتابه Man’s Search for Meaning: “حتى في أقسى الظروف، يظل الإنسان قادرا على إيجاد معنى للنجاة، فالخروج من علاقة مضرة ليس مجرد فرار من الألم، بل هو فرصة لإعادة اكتشاف الذات وإعادة ترتيب القيم الداخلية.”
الأبعاد النفسية للمتلازمة
1. الشعور بالذنب واللوم الذاتي
يعتبر الذنب من أبرز مظاهر متلازمة الناجي في العلاقات السامة. فالناجون غالبا ما يشعرون بأنهم فشلوا في الحفاظ على العلاقة، أو أنهم لم يقدموا ما يكفي لإصلاحها، رغم أن المسؤولية غالبا ما تكون خارج إرادتهم. هذا الشعور باللوم الذاتي يؤثر بشكل مباشر على الصحة النفسية، ويزيد احتمالية الإصابة بالاكتئاب واضطرابات القلق.
2. اضطرابات المزاج والقلق
الأشخاص الذين ينجون من العلاقات السامة غالبا ما يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة النفسي العاطفي. تشير دراسات علمية إلى أن الناجين من أنماط السيطرة العاطفية والإساءة المزمنة يعانون من مستويات عالية من القلق والاكتئاب، ويجدون صعوبة في الاستمتاع بالعلاقات الجديدة أو حتى بتجارب الحياة اليومية. كما توضح دراسة نشرتها الجمعية الأمريكية للطب النفسي (APA) أن تأثير العلاقات المسيئة يمتد إلى الصحة النفسية طويلة المدى، ويترك أثرا يستمر سنوات بعد الانفصال.
3. الانعكاسات الجسدية
الأبحاث الحديثة بينت أن الضغوط النفسية المزمنة الناتجة عن العلاقات السامة قد تظهر على شكل أعراض جسدية مثل الصداع المزمن، الأرق، اضطرابات الجهاز الهضمي، وآلام العضلات. يوضح د. مارك لوي في كتابه Body and Trauma: “الجسد يحتفظ بذكريات الألم النفسي عندما يعجز العقل عن معالجته، وما يمر به الفرد في علاقاته يترجم غالبا إلى اضطرابات جسدية مستمرة.”
الأبعاد الاجتماعية والسوسيونفسية
متلازمة الناجي في العلاقات السامة تمتد آثارها إلى البيئة الاجتماعية:
العزلة والشعور بالاغتراب: الناجون يشعرون بأن المجتمع المحيط لا يفهم عمق معاناتهم، وقد يؤدي الحديث عن التجربة إلى مواجهة صعوبة اجتماعية أو حكم معنوي.
الانعكاسات على العلاقات المستقبلية: ضعف الثقة بالنفس والخوف من التكرار قد يعيق قدرة الناجين على الانخراط في علاقات صحية جديدة، ما يترك أثرا على حياتهم الاجتماعية والعاطفية.
الأبعاد السوسيونفسية: تشير الدراسات السوسيونفسية إلى أن الناجين غالبا ما يكونون من خلفيات اجتماعية أو ثقافية تضغط على الالتزام بالمعايير التقليدية، مما يزيد من صعوبة معالجة الشعور بالذنب وتقبل فكرة الانفصال كخيار صحي.
و تؤكد الدكتورة إليزابيث لوي في كتابها Healing from Toxic Love: “النجاة من العلاقة السامة ليست نهاية القصة، بل بداية عملية إعادة اكتشاف الذات، وتعلم حدود الصحة النفسية، وبناء شبكة أمان داخلي تحمي الفرد من أذى مستقبلي.”
استراتيجيات التعامل مع متلازمة الناجي
1. العلاج النفسي الفردي والجماعي
جلسات العلاج النفسي لا سيما العلاج السلوكي المعرفي (CBT) تساعد الناجين على مواجهة المشاعر السلبية، معالجة الذنب وفهم الأنماط السلوكية التي سمحت لهم بالبقاء في العلاقة.
2. الدعم الاجتماعي
الانخراط في مجموعات دعم أو التحدث مع أصدقاء موثوقين يخفف شعور العزلة ويؤكد أن القرار بالابتعاد كان صائبا.
3. البعد الروحي والفلسفي
الناجون يجدون الطمأنينة عبر التأمل أو البحث عن معنى أعمق للنجاة. كما يقول فرانكل: “النجاة ليست مجرد البقاء، بل القدرة على إعادة البناء الداخلي وإيجاد معنى للمعاناة الماضية.”
4. إعادة بناء الهوية والقيم
الخروج من العلاقة السامة يمثل فرصة لإعادة تحديد القيم الشخصية، تعلم حدود الصحة النفسية واكتساب القدرة على اتخاذ قرارات واعية في العلاقات المستقبلية.
متلازمة الناجي من العلاقة السامة ليست مجرد شعور عابر بالذنب أو الحزن، بل هي تجربة معقدة تشمل العقل، الجسد والعلاقات الاجتماعية. فالناجون يعيشون صراعا داخليا مستمرا بين الألم والارتياح، بين الشعور باللوم وحقهم في التحرر، وبين الخوف من المستقبل والثقة بإمكانية بناء حياة صحية من جديد.
الرسالة الجوهرية أن النجاة من العلاقة السامة ليست هزيمة، بل فرصة لإعادة اكتشاف الذات، تعزيز الكرامة وبناء حياة متوازنة قائمة على الوعي الذاتي والعلاقات الصحية.
قم بكتابة اول تعليق