موند بريس / بقلم: دة.سعاد السبع
في خضم الكوارث والحروب والأحداث المفاجئة التي تهز حياتنا، ينجو بعض الأفراد بينما يفقد آخرون حياتهم. وعلى الرغم من أن النجاة تبدو هبةً ونعمة، إلا أن الناجين غالبا ما يكتشفون أن البقاء على قيد الحياة ليس بلا ثمن. إذ تصحب النجاة مشاعر متشابكة من الذنب، الحزن، القلق والاكتئاب مما يشكل ما يعرفه علماء النفس بمتلازمة الناجي (Survivor Syndrome).
فتجربة الناجي ليست مجرد امتنان للحياة، بل صراع داخلي يتراوح بين الشعور بالاستحقاق واللوم الذاتي، بين الفقدان والشعور بالاغتراب مما يجعل التعامل مع هذه الحالة النفسية تحديًا حقيقيا على مستوى الفرد والمجتمع.
تعريف متلازمة الناجي.
تعرّف متلازمة الناجي بأنها مجموعة من المشاعر السلبية والعاطفية التي تسيطر على الشخص الناجي من حادثة مأساوية، في حين فقد آخرون حياتهم. تشمل هذه المشاعر شعورا مستمرا بالذنب تجاه من لم ينجوا، خوفا من المستقبل، اضطرابات النوم، اضطرابات جسدية وعزلة اجتماعية.
ويصف الطبيب النفسي الأمريكي ستانلي شابين متلازمة الناجي بأنها: “حالة انقسام داخلي يعيش فيها الشخص بين فرحة البقاء وذنب النجاة، وكأن حياته مفروضة عليه دون استحقاق.”
ومن منظور آخر يرى د. فيكتور فرانكل مؤلف Man’s Search for Meaning: “حتى في أقسى ظروف الحياة، يبقى الإنسان قادرا على إيجاد معنى، والنجاة ليست مجرد البقاء على قيد الحياة، بل القدرة على إعادة البناء النفسي والروحي.”
الأبعاد النفسية للمتلازمة.
تتجلى متلازمة الناجي في عدة أبعاد نفسية متداخلة:
1. الشعور بالذنب: غالبا ما يشعر الناجون أنهم “استحقوا” البقاء بينما لم يستحق الآخرون، ما يخلق شعورا دائما بالعار واللوم الذاتي. وقد وثّقت دراسة على الناجين من معسكرات الاعتقال النازية أن الغالبية عاشوا صدمة مزدوجة: الألم النفسي لفقدان أحبائهم والذنب الناتج عن البقاء.
2. اضطرابات القلق والاكتئاب: كثير من الناجين يعانون اضطراب ما بعد الصدمة PTSD، ويصاحب ذلك شعور بالقلق المستمر أو اكتئاب حاد وهو ما أكدت عليه الجمعية الأمريكية للطب النفسي (APA) بأن نحو 30% من الناجين من الكوارث الطبيعية يعانون أعراضا اكتئابية سنة بعد الحدث.
3. الأعراض الجسدية: الألم النفسي غالبا ما يتحول إلى أعراض جسدية مثل الأرق المستمر، الصداع المزمن، آلام العضلات واضطرابات الجهاز المناعي. يقول د. مارك لوي في Body and Trauma: “الجسد لا ينسى ما عجز العقل عن معالجته.”
الأبعاد الاجتماعية والسوسيونفسية.
لا تقتصر متلازمة الناجي على الفرد، بل تمتد لتؤثر على محيطه الاجتماعي:
العزلة والشعور بالاغتراب: يشعر الناجون أن الآخرين لا يفهمون أعمق مشاعرهم، أو أن الحديث عن الفقدان قد يكون مؤلما للأهل والأصدقاء، مما يعمّق شعورهم بالوحدة.
التأثير على العلاقات الأسرية: كثير من الناجين يجدون صعوبة في التواصل مع أفراد الأسرة الذين لم يعيشوا التجربة نفسها، وقد يؤدي ذلك إلى توتر العلاقة أو صعوبات في التعبير عن العاطفة.
الانعكاسات على المجتمع: من منظور سوسيونفسي تشير الدراسات إلى أن الناجين رغم شعورهم بالذنب، قد يتحولون أحيانا إلى عناصر فاعلة في المجتمع، حيث يسعون لتعويض الخسارة عبر العمل التطوعي أو النشاط الاجتماعي، وكأنهم يخلقون معنى للنجاة.
أمثلة واقعية.
الزلازل والكوارث الطبيعية: بعد زلزال كشمير 2005، أظهرت مقابلات مع الناجين أنهم شعروا بالذنب تجاه الجيران الذين فقدوا حياتهم، وكانوا أقل قدرة على المشاركة في الأنشطة الاجتماعية.
الحروب والصراعات: الجنود العائدون من ساحات القتال غالبا ما يعانون متلازمة الناجي، حيث يرون زملاءهم يسقطون بينما يظلون هم أحياء، ما يولد شعورًا دائمًا بالذنب وعدم القدرة على الاستمتاع بالحياة.
الأوبئة والكوارث الصحية: في جائحة كوفيد 19 عانى بعض الناجين من الشعور بالذنب تجاه المرضى الذين فارقوا الحياة، مما أثّر على صحتهم النفسية وطريقة تعاملهم مع المحيط الاجتماعي.
طرق التعامل مع المتلازمة.
تتطلب متلازمة الناجي مزيجا من الدعم النفسي والاجتماعي والروحي للتخفيف من آثارها:
1. العلاج النفسي: يشمل العلاج السلوكي المعرفي (CBT) وجلسات العلاج الجماعي التي تساعد على مواجهة الذكريات المؤلمة وفهم شعور الذنب، وإعادة صياغة الأفكار السلبية.
2. الدعم الاجتماعي: الانخراط في مجموعات دعم للناجين، أو المشاركة في مشاريع لإحياء ذكرى الضحايا يخفف العزلة ويعطي معنى للنجاة.
3. البعد الروحي والفلسفي: التأمل، الدعاء، أو البحث عن معنى أعمق للنجاة يوفر راحة نفسية. كما يوضح فرانكل: “إن الإنسان قادر دائما على إيجاد معنى حتى في أتعس ظروف الحياة.”
متلازمة الناجي ليست مجرد شعور بالذنب العابِر، بل تجربة إنسانية متعددة الأبعاد، تمتد تأثيراتها على النفس والجسد والعلاقات الاجتماعية. الفهم العميق لهذه الظاهرة يمكّن من تخفيف المعاناة، تقديم الدعم النفسي الملائم، وإعادة دمج الناجين في حياتهم اليومية بطريقة متوازنة.
إن الرسالة الأساسية أن النجاة ليست عبئا، بل فرصة لإعادة بناء الذات، والعلاقات، والمعنى العميق للحياة. ومن هذا المنطلق يمكن للنجاة أن تتحول من ألم صامت إلى حياة واعية مليئة بالوعي، النضج والعطاء.
قم بكتابة اول تعليق