موند بريس / بقلم: دة.سعاد السبع
في العقدين الأخيرين تحوّلت السوشيال ميديا من فضاء ترفيهي بسيط إلى منظومة معقدة تتشابك فيها الخوارزميات مع سلوك الإنسان، وتتقاطع فيها الرغبات الفردية مع دينامية الرأي العام العالمي. وبين دعوات تُنادي بـمنع هذه المنصات أو التضييق عليها، وأخرى تُطالب بتعزيز مناعة نفسية ومعرفية لمستخدميها، تتولد أسئلة عميقة حول أثر هذا العالم اللامحدود على النفس البشرية والنظام الاجتماعي.
أولا: المقاربة السوسيونفسية… السوشيال ميديا كامتداد للعقل البشري ومساحات اللاوعي
توضح أبحاث عالم النفس الاجتماعي جوناثان هايدت أن المنصات الاجتماعية صُمّمت بطريقة تستغل “الهشاشة الانفعالية” لدى الإنسان عبر تحقيق الاستجابة السريعة أو ما يسمى بالمكافأة الفورية. فكل إعجاب أو تعليق أو مشاركة يعمل كنبضة دوبامين صغيرة تُعيد تشغيل دائرة الإدمان في الدماغ، وتجعل المستخدم أكثر قابلية للارتباط بالشبكات من دون وعي منه.
ويرى عالم الأعصاب أنطونيو داماسيو أن الدماغ حين يتعرض لموجات متلاحقة من الانفعالات الإلكترونية يتراجع مستوى التفكير العقلاني، وتضمر القدرة على اتخاذ القرارات بشكل ناضج. وهذا ما نراه اليوم في حالات الانفلات العاطفي، الاندفاعات الحادة والقطيعة السريعة بين الأشخاص بمجرد تعليق أو منشور.
1. وهم القبول الاجتماعي
تمثل السوشيال ميديا بيئة تضخم الحاجة الجوهرية للانتماء التي تحدث عنها عالم النفس أبراهام ماسلو في هرم الحاجات. فالتفاعل الدائم يمنح إحساسا زائفا بالقبول والمكانة، لكنه في الوقت ذاته يخلق تبعية عاطفية تجري وراء رضا الآخرين أكثر من رضا الذات.
وهنا يتحول “المنع” إلى مطلب نفسي عند بعض الأسر خوفا على الأبناء من التعرض للمقارنة والإقصاء والتنمر الرقمي، وهو خوف مشروع لكنه غير عملي في عالم متشبع بالاتصال.
2. تأثير الخوارزميات على الهوية
تكشف تحليلات الباحثة في علم السلوك الرقمي شوشانا زوبوف أن الخوارزميات لا تكتفي بإظهار المحتوى فحسب، بل تعيد تشكيل تفضيلاتنا على المدى الطويل عبر ما سمّته رأسمالية المراقبة. وهذا يعني أن الفرد قد يتبنى أفكارا أو أوضاعا نفسية ليست نابعة منه، بل من محتوى قُدّم له.
إن هذا “التسريب الهادئ” للهوية يخلق انقساما داخليا بين الذات الحقيقية والذات الرقمية مما يهدد الاتزان النفسي ويزيد الضغط الداخلي.
3. الإدمان الرقمي… حين يتحول الوقت إلى ضحية
تُظهر دراسات متعددة من بينها بحوث كيمبرلي يونغ حول إدمان الإنترنت أن الاستخدام المتكرر قد يؤدي إلى أعراض مشابهة للإدمان السلوكي:
* فقدان السيطرة
* الانشغال الدائم بالشاشة
* القلق عند الانقطاع
* تزايد العزلة الاجتماعية
وبينما يرى البعض الحل في “المنع” أو تقييد الوقت بشدة، يذهب علماء النفس المعاصرون إلى أن الحل الأعمق هو تدريب النفس على خلق حدود ذاتية ومناعة داخلية بدل الاعتماد على حدود خارجية.
ثانيا: المقاربة السوسيواجتماعية… السوشيال ميديا كمختبر لتشكيل الرأي العام وإعادة هندسة المجتمع
يشير عالم الاجتماع مانويل كاستلز في كتابه “شبكات الغضب والأمل” إلى أن السوشيال ميديا أعادت توزيع القوة بين الأفراد والمؤسسات، وجعلت من المعلومات سلاحا غير مرئي يحدد المزاج الاجتماعي ويعيد بناء الوعي الجمعي.
1. صناعة الوعي الجماعي
في زمن السرعة الرقمية لم يعد الرأي العام يُصاغ في المجالس والمؤسسات، بل في ثوان على منصات مثل فيسبوك وتويتر وإنستغرام. فالخبر القصير، الصورة المؤثرة، الفيديو المقتطع… كلها أدوات قادرة على إعادة تشكيل موقف جماهيري كامل.
وهذا ما عبّر عنه عالم الإعلام مارشال ماكلوهان حين قال إن “الوسيط هو الرسالة”، أي إن شكل المنصة يتحكم في مضمون النقاش وليس العكس.
2. انتشار الشائعات والخطاب الشعبوي
وفق دراسات أجراها معهد MIT فإن الأخبار الكاذبة تنتشر بسرعة أكبر من الأخبار الصحيحة لأن العاطفة غالبا أقوى من العقل. وهنا يصبح المجتمع أمام تحدٍّ: هل نمنع المنصة؟ أم نربي عقلا قادرا على التمييز؟
3. تفتت النسيج الاجتماعي
تساهم السوشيال ميديا في خلق دوائر مغلقة (Echo Chambers) حيث لا يرى الفرد إلا من يشبهونه، مما يضعف الحوار ويقوي الانقسام. إنها عملية “تطويع” اجتماعي تحدث بلا ضجيج وتجعل الفرد يظن أن رأيه يمثل الأكثرية، بينما هو محصور في غرفة صدى.
ثالثا: بين المنع والمناعة… أيهما يحمي المجتمع؟
1. المنع… حل جذري لكنه غير قابل للتطبيق
المنع قد يمنع الضرر مؤقتا لكنه لا يصنع وعيا. فالأطفال والمراهقون قادرون على إيجاد طرق بديلة للوصول إلى المنصات، والمنع في ذاته يخلق رغبة معاكسة. كما أنه يعزل الفرد عن فضاء أصبح جزءا من المجتمع الحديث من التعليم إلى الوظائف.
2. المناعة… الحل الأكثر استدامة
المناعة الرقمية ليست فقط مهارة، بل ثقافة كاملة. وتتجلى في ثلاثة مستويات:
أ. المناعة النفسية:
* تدريب الفرد على ضبط الانفعال
* تعزيز التوازن بين العالمين الرقمي والحقيقي
* دعم الذات الداخلية بدل البحث عن تقييم الآخرين
وقد أثبتت أبحاث كارول دويك أن الأشخاص الذين يمتلكون عقلية النمو يكونون أقل عرضة للانهيار أمام المقارنات الاجتماعية.
ب. المناعة المعرفية:
* تعلم التحقق من المصادر
* التدريب على التفكير النقدي
* تحليل النوايا خلف كل محتوى
وهنا يستحضر علماء الإعلام مثل إيلي باريزر مفهوم “فقاعة الترشيح” التي تحجب عن الفرد المعلومات التي لا تتوافق مع توجهاته.
ج. المناعة الاجتماعية:
* حضور الأسرة كموجه وليس كشرطي
* إشراك المدرسة في التربية الرقمية
* خلق نقاشات مجتمعية حول الاستخدام الآمن
رابعا: السوشيال ميديا كقوة ناعمة… كيف يمكن تحويل التهديد إلى فرصة؟
رغم كل المخاطر فإن هذه المنصات ليست شرا مطلقا. فقد مكّنت ملايين الشباب من التعبير، التعلم، التواصل والوصول إلى فرص لم تكن ممكنة سابقا.
1. التعليم الرقمي
دعم التعلم الذاتي، الانفتاح على المعارف، الولوج إلى الدورات العالمية…
2. المناصرة الحقوقية والإنسانية
أصبحت المنصات أدوات لفضح الانتهاكات ودعم القضايا الإنسانية.
3. الريادة والمبادرة
ظهر جيل جديد من رواد الأعمال الرقميين الذين صنعوا وظائف ومشاريع من هواتفهم فقط.
فالقوة ليست في المنع بل في بناء الإنسان. ولا يمكن للمجتمعات الحديثة أن تعود إلى ما قبل العصر الرقمي، لكن يمكنها أن تبني إنسانا قادرا على قيادة التكنولوجيا بدل أن تقوده.
إن الصراع الحقيقي ليس بين الإنسان والهاتف، بل بين الوعي واللاوعي، بين القدرة على الاختيار والوقوع في فخ الخوارزميات.
والمنصة ليست هي العدو، بل الاستخدام غير الواعي.
والمناعة ليست رفاهية تربوية، بل شرط أساسي لحماية النفس والمجتمع.
قم بكتابة اول تعليق