موند بريس / بقلم: دة. سعاد السبع
في مجتمعات تُقدّس النجاح وتربط قيمته غالبا بالمكانة الاجتماعية والمردودية المادية يغدو اختيار المسار الدراسي والمهني أحد أكثر القرارات حساسية في حياة الأبناء، وأحد أكثرها إرباكا للأسر. فبين رغبة الآباء في ضمان المستقبل وقلقهم من بطالة محتملة، واندفاع الأبناء نحو الشغف أو الميول الشخصية ينشأ صراع خفيّ بين الحلم الفردي والانتظارات الجماعية.
ولأن التربية لم تعد مجرّد نقل للقيم أو المعارف، بل صارت فعلا تشاركيا يقوم على الإنصات والمواكبة والتوجيه أصبح لزاما أن نسائل أنفسنا: كيف نساعد أبناءنا على الاختيار دون أن نختار عنهم؟ وكيف نوازن بين النصيحة والمسافة التي تتيح لهم بناء ذواتهم بحرية ومسؤولية؟
أولا: التوجيه كفعل إنساني لا كإملاء أسري.
كثير من الأسر تتعامل مع التوجيه الدراسي باعتباره قرارا حاسما لا يحتمل الخطأ متناسين أنّ الخطأ ذاته جزء من عملية التعلم والنضج. فحين يفرض الأب أو الأم على الابن تخصصا معينا بدافع الخوف أو الطموح الزائد يتحول التوجيه من دعم تربوي إلى قيد نفسي يحدّ من الإبداع.
إنّ الأبناء ليسوا نسخا من آبائهم، بل كيانات متفردة تبحث عن تحقيق ذواتها وفق ما تملكه من استعدادات وقدرات. لذا فالتربية الناضجة هي التي تفتح الأفق أمام الأبناء بدلا من أن تختصره في مسار واحد.
يقول عالم النفس كارل روجرز: “إنّ أجمل ما يمكن أن نقدّمه للطفل هو أن نساعده ليصبح ذاته لا ما نريده نحن أن يكونه”.
وهذه هي جوهر التربية الحديثة: أن تُحرر لا أن تُقيد أن تُرافق لا أن تُوجّه قسرا.
ثانيا: المقاربة السوسيوتربوية من التوجيه إلى الوعي.
التوجيه ليس لحظة امتحان، بل مسار تربوي طويل يبدأ منذ الطفولة. فعندما نتيح للطفل حرية التجريب وننمي حسّه بالمسؤولية والاختيار فإننا نزرع فيه القدرة على اتخاذ القرار مستقبلا.
المدرسة هنا تؤدي دورا جوهريا ليس فقط عبر مستشاري التوجيه أو الأخصائيين النفسيين، بل من خلال ثقافة مدرسية تُشجّع على الاكتشاف والبحث والتعلّم الذاتي.
ولعلّ من أهم مظاهر القصور التربوي في مجتمعاتنا أنّ التلميذ يُدفع إلى اختيار تخصصه في سن مبكرة دون أن يُمنح الوقت الكافي للتجربة أو الوعي بقدراته الحقيقية.
بينما المطلوب هو أن تتحول المدرسة إلى فضاء للوعي الذاتي والاختبار الواقعي للمواهب بدلا من أن تكون مجرد معبر إجباري نحو شهادة.
ثالثا: المقاربة السوسيواجتماعية حين يضغط الواقع على الحلم.
لا يمكن قراءة اختيارات الأبناء بمعزل عن السياق الاجتماعي والاقتصادي. فالمجتمع يُسهم في تشكيل التطلعات عبر نظرة تراتبية للمهن: هناك مهن تُمنح الاحترام وأخرى يُنظر إليها بدونية مما يخلق ضغطا اجتماعيا غير مباشر على الأسر والأبناء.
تحت هذا الضغط يتجه كثير من الشباب نحو تخصصات مضمونة اجتماعيا حتى وإن كانت بعيدة عن شغفهم الحقيقي. لكن حين يُختار المسار إرضاء للغير فإن الرضا الذاتي يغيب ويُستبدل بالحسرة.
في هذا الصدد يرى عالم الاجتماع بيير بورديو أن المسار الدراسي ليس مجرد اختيار فردي، بل انعكاس لبنية اجتماعية تحدد أنماط الطموح والإمكانيات المتاحة.
من هنا يصبح لزاما أن نعمل كمجتمع على إعادة الاعتبار لكل المهن، وعلى تربية الناشئة على أن القيمة الحقيقية للعمل ليست في موقعه الاجتماعي، بل في أثره الإنساني وفي مقدار الشغف والإتقان الذي يُنجز به.
رابعا: الصراع بين الرغبة والواجب.
كثير من الآباء يجدون أنفسهم ممزقين بين رغبتهم في حماية أبنائهم من الفشل وبين واجب احترام اختياراتهم. لكن الحماية المفرطة وإن كانت تبدو بدافع الحب قد تتحول إلى وصاية تحدّ من النمو النفسي.
في المقابل يحتاج الأبناء إلى اختبار قدراتهم في الواقع حتى وإن تعثّروا. فالفشل المبكر أحيانا هو الذي يصنع النضج والصلابة.
تقول الأديبة مارغريت ميد: “يجب أن نمنح أبناءنا الجذور التي تثبتهم والأجنحة التي تحررهم”.
هذه الثنائية بين الثبات والحرية تمثل جوهر التوازن التربوي: جذور القيم التي تمنحهم الهوية وأجنحة الاختيار التي تمنحهم المعنى.
خامسا: دور الأسرة في بناء الوعي المهني.
الأسرة ليست فقط مصدر دعم مادي أو معنوي، بل هي المختبر الأول للقيم المرتبطة بالعمل والنجاح. حين يرى الطفل والديه يقدّران الاجتهاد ويحترمان المهن المختلفة ويتحدثان بإيجابية عن العطاء والمهارة، فإنه يبني علاقة صحية مع فكرة المهنة.
أما حين يسمع منذ صغره عبارات مثل “الطب وحده يضمن المستقبل” أو “العمل اليدوي لا يليق” فإنه يتشرب أحكاما اجتماعية مسبقة تشوّه علاقته بالاختيار.
من هنا تبرز أهمية الحوار الأسري الهادئ حول الميولات والقدرات مع تشجيع الأبناء على البحث والتجريب والتعرف على مجالات جديدة.
سادسا: التوجيه المهني في المدرسة – من الإرشاد إلى التمكين.
ينبغي أن تتحول عملية التوجيه داخل المؤسسات التعليمية من مجرد نصح أو ملء استمارات إلى عملية مواكبة مستمرة تبدأ منذ الإعدادي وتستمر إلى ما بعد البكالوريا.
يتطلب ذلك حضور الأخصائيين النفسيين والتربويين بشكل فعّال، وتوفير أنشطة ميدانية تسمح للتلاميذ بملامسة الواقع المهني: زيارات للمؤسسات، لقاءات مع مهنيين، تجارب تطوعية… فالمعرفة الحقيقية لا تُكتسب بالكلمات فقط، بل بالتجربة والمعايشة.
سابعا: التوازن بين الواقعية والطموح.
على الآباء والمربين أن يساعدوا أبناءهم على الموازنة بين ما يحبونه وما يحتاجه السوق. فالشغف مهم لكنه يحتاج إلى خطة واقعية تُترجمه إلى مشروع قابل للنجاح.
التوجيه الذكي هو الذي لا يُطفئ الحلم ولا يُغفل الواقع، بل يجمع بينهما في رؤية متزنة تراعي ميول الفرد وإمكاناته دون تجاهل المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية.
ثامنا: من الإكراه إلى الثقة.
حين نثق في أبنائنا فإننا نمنحهم أكبر هدية تربوية ممكنة. فالثقة لا تعني الغياب، بل تعني المرافقة دون وصاية.
الشاب الذي يشعر بأن رأيه مسموع، وأن تجربته محل تقدير يتعلّم أن يكون مسؤولا عن قراراته ويتحمل نتائجها بنضج. أما الذي يُجبر على مسار لا يريده فيحمل داخله شعورا بالانفصال عن ذاته، وقد يدفع ثمنه لاحقا على شكل ملل مهني أو ندم دائم.
إنّ توجيه الأبناء نحو مسارهم الدراسي والمهني ليس قرارا يُتخذ في جلسة واحدة، بل رحلة وعي تمتد لسنوات قوامها الحوار، الثقة، التجريب والمعرفة.
وعندما يتحرر التوجيه من منطق الإكراه ليصبح فعلا تربويا مؤسسا على الإنصات والمرافقة نكون قد انتقلنا من منطق “ماذا نريد لأبنائنا؟” إلى “ماذا يريدون لأنفسهم؟”.
وهنا فقط يمكن أن يولد الاختيار الحرّ المسؤول الذي يجمع بين الذات والواقع، بين الحلم والحياة.
قال الفيلسوف جون ديوي: “التربية ليست إعدادا للحياة، بل هي الحياة ذاتها”.
وما أروع أن نمنح أبناءنا حياة تُشبههم، لا حياة نرسمها نحن نيابة عنهم.
قم بكتابة اول تعليق