موند بريس / بقلم: دة. سعاد السبع
في زمن تتسارع فيه إيقاعات الحياة وتذوب الحدود بين المسموح والمرفوض باتت تربية الأبناء على المسؤولية تحديا حقيقيا أمام الأسر والمدارس معا. فالمسؤولية ليست سلوكا يُلقَّن، بل قيمة تُزرع وتنمو ببطء داخل النفس كالنبتة التي لا تزهر إلا حين تتوفر لها بيئة دافئة وماء من الثقة.
المسؤولية ليست أمرا يُؤمر به
كثير من الآباء يعتقدون أن تكرار الأوامر والتوجيهات كفيل بغرس الإحساس بالواجب لدى الطفل، لكن الحقيقة التربوية تقول غير ذلك. فكل ما يُفرض من الخارج يُقاوم من الداخل.
الطفل لا يتعلم المسؤولية حين يُقال له “افعل”، بل حين يُمنح الحق في الاختيار، ثم يعيش نتائج اختياره.
فبدل أن نقول له: “رتب غرفتك الآن”، يمكن أن نقول: “هل تفضل ترتيب غرفتك قبل الغداء أم بعده؟”.
هنا نمارس ما يسميه المربون “فن الإشراك بدل الإكراه”، فنُشعره بأنه يملك قراره وفي الوقت نفسه يتحمل نتائجه.
بين الحرية والتوجيه: التوازن الممكن
تربية المسؤولية لا تعني إطلاق الحرية بلا حدود، كما لا تعني فرض الانضباط بلا مرونة. إنها رحلة في البحث عن التوازن بين أن نثق بأبنائنا وأن نرشدهم دون أن نُقصيهم.
والمدرسة من جهتها تتحمل مسؤولية موازية، فبيئة التعلم ينبغي أن تكون مختبرا حقيقيا للتجربة.
حين يُشرك المعلم تلامذته في اتخاذ القرار — كاختيار موضوع مشروع أو تقسيم الأدوار في عمل جماعي — فإنه لا يلقنهم دروسا في المواد الدراسية فقط، بل في المواطنة والسلوك المدني أيضا.
تقول إحدى المقاربات السوسيوتربوية الحديثة: “كل فعل تربوي مسؤول هو تمرين على العيش المشترك.”
إذ لا يمكن للطفل أن يتعلم المسؤولية في غياب الإحساس بالانتماء، أو في ظل بيئة تُقصي رأيه وتُلغيه.
من التربية السلطوية إلى التربية التشاركية
التربية السلطوية القائمة على العقاب والمكافأة قد تُنتج أطفالا منضبطين ظاهريا، لكنها نادرا ما تُنتج شخصيات مسؤولة داخليا.
أما التربية التشاركية فترى في الطفل شريكا في بناء ذاته، وليس موضوعا للتشكيل.
إن منح الطفل فرصة للمساهمة في القرارات اليومية – ولو البسيطة – مثل تنظيم وقته أو اختيار نشاطه هو تدريب مبكر على الوعي الذاتي والمساءلة.
وتؤكد المقاربة السوسيوتربوية أن المسؤولية الاجتماعية تبدأ من البيت، لكنها لا تكتمل إلا بتفاعل الطفل داخل مؤسسات المجتمع: المدرسة، النادي، الحي… فكل فضاء يتعلم فيه أن “فعله يؤثر في الآخرين” هو فضاء يربيه على المسؤولية.
القدوة… التربية الصامتة
مهما تنوعت الأساليب تبقى القدوة أبلغ من كل خطاب.
حين يرى الطفل والديه يلتزمان بوعودهما، يعتذران عند الخطأ ويتقاسمان الأدوار بعدل يتشرب دون وعي معنى الالتزام والمسؤولية.
فالطفل لا يتعلم من الكلمات بقدر ما يتعلم من المواقف.
ولعلّ التربية الحقيقية هي تلك التي تغرس القيم دون أن تنطق بها.
نحو ثقافة المسؤولية لا ثقافة اللوم
إن تعليم الطفل المسؤولية ليس إعدادا للحياة فقط، بل هو تربية على الحرية الواعية.
فالحرية بلا مسؤولية فوضى، والمسؤولية بلا حرية قيد.
حين ننتقل من سؤال “من المخطئ؟” إلى “ما الذي يمكن أن نفعله معا لتصحيح الأمر؟” نكون قد خطونا أولى خطواتنا نحو جيل يفكر في الحل لا في التبرير.
وفي النهاية لا يمكننا أن نفرض على أبنائنا أن يكونوا مسؤولين، لكن يمكننا أن نخلق الظروف التي تدفعهم لاختيار المسؤولية بأنفسهم.
فالمسؤولية ليست ما نُعلمه لهم، بل ما نُوقظه فيهم.
يقول الفيلسوف جون ديوي: “التربية ليست استعدادا للحياة بل هي الحياة ذاتها.”
وفي كل لحظة نُعامل فيها أبناءنا كشركاء في هذه الحياة نكون قد منحناهم أعظم دروس المسؤولية.
قم بكتابة اول تعليق