موند بريس / بقلم: دة.سعاد السبع
الأسرة ليست مجرد إطار قانوني أو فضاء للتعايش اليومي، بل هي الكيان العاطفي الأول الذي يتعلّم فيه الإنسان كيف يحبّ، كيف يختلف وكيف يتصالح. إنها بتعبير علماء النفس الاجتماعي “المختبر الأول لتشكّل الوجدان الإنساني”، ومن داخلها تتكوّن أولى صور الذات والعالم.
لكن حين يتحول هذا المختبر إلى ساحة توتر مزمن، وحين يتقاطع صوت الحب مع صدى الخلاف تتكسر في وجدان الطفل تلك الصورة الأولى عن الأمان، ويبدأ نزيف خفي لا يُرى بالعين لكنه يُورّث مع الزمن.
الأسرة… حين يختلّ ميزان الأمان العاطفي.
الخلافات الزوجية ليست ظاهرة حديثة، لكنها اليوم تكتسب بعدا أكثر تعقيدا بفعل التحولات المجتمعية المتسارعة: ضغط الحياة، التنافس الاقتصادي، تآكل التواصل الإنساني الحقيقي أمام طغيان الوسائط الرقمية وغياب الثقافة العاطفية.
كلّ ذلك جعل العلاقة الزوجية مهددة بتآكل المعنى قبل أن تُهدد بتآكل المشاعر. وحين يغيب الوعي يصبح الحوار ساحة صراع بدل أن يكون جسرا للفهم.
إنّ الطفل الذي يشهد هذه النزاعات لا يتفرج فحسب، بل يعيش حالة تمثّل داخلي لما يحدث أمامه. فهو لا يرى والديه كطرفين متنازعين، بل كصورتين متناقضتين لذاته المستقبلية. من هنا تبدأ تشوهات الهوية الانفعالية التي ترافقه دون وعي، كظلٍّ دائم للحب المكسور الذي رآه.
صمت الأطفال… ضجيج من نوع آخر.
حين ينشب الخلاف بين الأبوين، لا يُسمع في الغالب إلا صوتهما، لكن في الصمت المجاور هناك ضجيج نفسي يعصف بالطفل: أسئلة لا تُقال، دموع تُخبّأ ووجع لا يُسمّى.
فالأطفال كما يوضح علم النفس الإكلينيكي لا يملكون لغة للتعبير عن الصدمات، فيعبّرون عنها بالجسد والسلوك: تلعثم في الكلام، تبول لا إرادي، نوبات بكاء غير مبررة، انسحاب اجتماعي أو نوبات غضب حاد.
إنها ليست “مشاكل طفولية” كما يظن البعض، بل ندوب نفسية مبكرة تترك أثرها في العمق.
يقول أحد المفكرين: “ما لا يُقال في الطفولة يصرخ في الكِبر.”
وهذا ما يحدث فعلا، فالأطفال الذين كبروا في بيوت متوترة يحملون في دواخلهم جراحا غير مرئية تظلّ تبحث عن صوت للشفاء، وغالبا ما تتحوّل إلى اضطرابات في العلاقات العاطفية حين يكبرون.
من الخلاف إلى الخلل: أثرٌ يمتدّ عبر الأجيال.
في المقاربة السوسيونفسية تُعتبر الخلافات الزوجية أكثر من مجرد نزاع بين شخصين، إنها خلل في البنية الرمزية للأسرة التي تمثل نواة المجتمع.
حين يتكرّر الشجار أمام الأبناء يُصاب البناء الوجداني للأسرة بتصدّع ينعكس على الاستقرار النفسي والاجتماعي للأجيال اللاحقة.
فالأطفال الذين عاشوا في بيئة يسودها الصراع غالبا ما يكبرون وهم يعانون من الخوف من:
* الارتباط أو النفور من فكرة الزواج.
* ضعف الثقة بالنفس وصعوبة اتخاذ القرار
* ميول عدوانية أو انغلاق عاطفي مزمن.
* نزوع للتكرار اللاواعي، أي إعادة تمثيل نموذج الصراع ذاته في حياتهم الزوجية.
وتشير الأبحاث في علم النفس الأسري إلى أنّ الطفل الذي يرى الحب يُمارس كوجع يتعلم أن العاطفة مرتبطة بالألم، فيبحث لاحقا عن الحنان في علاقات مؤذية أو يعجز عن الثقة في الآخر فيعيش عزلة وجدانية مموّهة بابتسامة اجتماعية.
جراح تنضج مع العمر.
حين يبلغ هؤلاء الأطفال مرحلة الشباب يصبحون من حيث لا يدرون أسرى لذاكرة وجدانية مثقلة بالتناقضات: فهم يريدون الحب ويخشونه، يبحثون عن الاستقرار ويفرّون منه، يحنّون إلى بيت آمن ولم يعرفوه قط.
هذا الارتباك الداخلي قد يتحوّل إلى عقد نفسية معقّدة: قلق وجودي، توتر دائم، اضطراب في التعلق، أو حتى سلوكيات إدمانية كآليات للهروب من الألم الداخلي.
يقول عالم النفس إريك فروم إن “الإنسان الذي لم يُحَبّ في طفولته، يظل يبحث عن ذاته في وجوه الآخرين” وهذه هي مأساة كثير من الشباب الذين خرجوا من أسر مضطربة ظاهريا، محطّمة وجدانيا.
حين يصبح الصمت علاجا زائفا.
من أكبر أخطاء الأزواج أن يظنوا أن تجاهل الخلافات أمام الأبناء نوع من الحماية، بينما الواقع أن الطفل يقرأ الصمت كما يقرأ الصراخ.
البرود العاطفي بين الوالدين، المسافات الطويلة بين الكلمات، نظرات التجاهل، كلها تُرسل رسائل غير منطوقة بأن الحب يمكن أن يموت بهدوء. وهنا تكمن الخطورة. فالمشاهد الصامتة ترسّخ في اللاوعي صورة قاتمة عن معنى العلاقة الإنسانية.
نحو تربية وجدانية قائمة على الوعي.
في المقاربة النفسية الأسرية، الوقاية خير من العلاج. الحل لا يكمن في إلغاء الخلاف، بل في تعلّم إدارة الخلاف بوعي عاطفي. فالطفل الذي يرى والديه يختلفان باحترام، ويتصالحان بصدق يتعلّم أنّ الحب لا يعني غياب الاختلاف، بل القدرة على تجاوزه.
التربية الوجدانية تبدأ من اللحظة التي يدرك فيها الأبوان أنّ مشاعرهما ليست شأنا خاصا، بل مسؤولية جماعية تمتدّ إلى مستقبل أبنائهما.
الخلافات الزوجية ليست حدثا عابرا في تاريخ الأسرة، بل علامة فارقة في ذاكرة الطفولة قد تتحوّل إلى عقد نفسية تلاحق الفرد مدى الحياة، أو إلى درس إنسانيّ في التسامح والنضج حسب الطريقة التي تُدار بها.
الأطفال لا يطلبون والدين مثاليين، بل والدين يتعلّمان من أخطائهما، يعتذران حين يخطئان ويحتفظان للبيت بحرارة الحضور العاطفي.
يقال في أدبيات علم النفس: الطفل الذي يرى الحب يُرمَّم أمامه يؤمن أنّ الأشياء المكسورة يمكن أن تُصلَح.
وبين صراخ يترك الندوب، ووعي يترك الأثر، يتحدّد مصير الأجيال القادمة. فالمجتمع المتوازن يبدأ من أسرة متصالحة لأنّ الطفل الآمن اليوم هو المواطن السويّ غدا.
قم بكتابة اول تعليق