” تعليب الفكر” لوحة فنان جريء

موند بريس / دة: سعاد السبع

لوحة الفنان والناقد والاديب المقتدر نور الدين حنيف أبو شامة هي لوحة لا تُقاطع النظر بسهولة: «تعليب الفكر» عمل جريء يفرض حضوره بلغة بسيطة وخاطفة. بقلم حبر أزرق جاف، مساحات بيضاء واسعة، وخطوط تقطع الصمت لتبني صورة محمّلة بالدلالات. سأقرأها هنا من ثلاث زوايا متداخلة: الصياغة التقنية، الإيقاع البصري، وبالطبع الرؤى الدلالية والقراءات الممكنة.
فمن زاوية الصياغة الفنية والاتقان الحرفي، فاختيار الحبر الأزرق الجاف وسيلة تمنح العمل طاقة مزدوجة: من جهة حِدّة الخط وطزاجة العلامة، ومن جهة أخرى اقتصاد في الوسيلة يبرز قدرة الفنان على خلق قيم لونية ودرجات ضوئية عبر تراكب خطوط بسيطة بدل الاعتماد على طبقات لونية معقدة. التظليل المتقاطع هنا ليس تكرارا زخرفيا فقط، بل تقنية لبناء حجم صلب في جسم العلبة، ولإيصال إحساس بالقسوة المادية والبرودة المعدنية. الحبر بصفته مادة يومية وغير فاخرة يجعل التعبير أقرب إلى يومية التفكير المقيّد.
أما من زاوية الإيقاع البصري والبناء التركيبي،
فالتكوين عمودي و محوري يفرض قراءته من الأعلى إلى الأسفل وأول ما يجذب العين هو الأسطوانة العلوية (العلبة) التي تحتل «رأس» الشخصية، ثم يهبط البصر إلى الشفة الحمراء الوحيدة كنقطة تفجّر لونية وسط السائد الأزرق/الأبيض، ثم إلى عنق مشوّه ومشوّش بأنماط هندسية وشبكية. المساحة البيضاء المحيطة كبيرة ومقصودة: فراغ يعمل كعازل يؤكد عزلة الشكل ويجعل الرسالة أكثر قسوة كأن العالم يحيط بنا ببياض صامت بينما تُغلّف أفكارنا داخل عبوات جاهزة.
أما التباين اللوني هنا ذكي بحيث الأزرق يشي بالحرفية والبرودة المؤسساتية، بينما الشفة الحمراء تُدخل بعدا إنسانيا، وربما متمردا، لكنها مقطوعة إلى نصفين لونيين، نصف أحمر ونصف مُحجَب بالظل، مما يوحي بانقسام القدرة على الكلام أو التناوب بين الإغراء والكتم. ذلك الانقسام البصري تقابل بليغ لثنائية القول/السكوت، الاندماج/الاستبعاد.
في حين أن الدلالات والقراءات الرمزية توحي لنا بأن عنوان اللوحة «تعليب الفكر» يوجه القراءة مباشرة كون التعليب هنا ليس مجرد فعل مادي بل تشكل استعاري لعملية تحويل الفكر إلى سلعة قابلة للتداول، إلى علامة تجارية، إلى «منتج» يخضع لقوانين السوق والتسويق. العلبة التي تُغطي الرأس تعمل كقناع ولحاف في آنٍ واحد: قمع للبصيرة (إخفاء العيون) وتكريس لهوية موحدة استبدل بها تفرد العقل. بإخفاء العينين يتحوّل العقل إلى آلة استقبال أحادية تُغذّى من الخارج ولا تُبصر.
أما النقشات على العنق والجذور الشاذة التي تتفرّع للأسفل تبدو كخرائط أو دوائر كهربائية أو نصوص مُصغّرة لا يمكن تجاهل إيحاءاتها كشبكات تبادل، أنماط ثقافية مُقوّضة، أو حتى ندبات تُذكّر بأن الفكر «مقوّس» بقوى خارجية. العنق نفسه كونه نقطة التقاء بين الرأس والجسد هنا مُشَوّه، كما لو أن عملية التعليب لم تقتصر على الفكر فحسب، بل امتدّت لتشويه الجسد والهوية.
قراءةٌ أخرى ممكنة تنحو نحو الجانب السياسي والاجتماعي، كون العمل يصف آلية التنويم الجماعي والانتشار الواسع للخطاب الواحد عبر وسائل الإعلام والعلامات التجارية والسياسات الثقافية… ويشير إلى السهولة التي تُستبدل بها المساحات العامة للمساءلة بعبوات جاهزة تستهلكها الجماهير. كذلك يمكن قراءته من الجانب النفسي بأن الذات التي تقبل أن تُعلب أفكارها تختار الأمان الزائف على تبعات الحرية.
و من هذا كله تبدو قوة الرسالة وإمكاناتها التفسيرية، لأن اللوحة تقدم لغزا مفتوحا بدل جواب مُقفل: لماذا الشفة حمراء؟ هل هي آخر بقايا إنسانية مقاومة؟ أم أنها إغراؤنا الشرس ليقبلنا التعليب؟ لماذا اختار الفنان إخفاء العينين لا الفم؟ ذلك الاختيار يحوّل السؤال من «من يستطيع الكلام؟» إلى «من يرى الحقيقة؟» ما لم تُبصر كيف تُحدَّد الحقيقة؟

حسب قراءتي الخاصة فالعمل معبر جدا وناجح لأنه لا يحصر المتلقي في قراءة واحدة، بل يترك مساحة للاشتباك الذهني، قد يراه البعض نقدا للرأسمالية الاستهلاكية، وقد يقرأه آخرون تأملا في رقابة الذات أو في التأثير المغلف للديناميات السياسية على تشكيل الوعي. هذا الغنى الدلالي دليل على عمل ناضج وحكيم ذو بعد نظر ومغزى عميق يدعو المتلقي للغوص في أعماقه وسبر مكوناته ليستشف المعنى الدفين الذي يريد الفنان إيصاله عبر هذه اللوحة المتفردة.
وأخيرا فإن «تعليب الفكر» لوحة مقتدِرة بصريا وفكريا، اقتصاد في الوسيلة، حدة في العلامة، وثراء في الدلالة. هي عمل ينطق بالسؤال قبل أن يقدم الجواب، ويجبر من يراه على مراجعة مكانه في منظومة قد تُعلّب أفكاره بطرق لا تُحتَسب.

 

قم بكتابة اول تعليق

اترك رد