الغياب المتكرر: مؤشر على أزمة نفسية أم على نفور مدرسي؟

موند بريس / بقلم: دة. سعاد السبع

في كل صباح مدرسي، وبين الصفوف التي تكتمل بأسماء وتغيب بأخرى، تلوّح في دفاتر التتبع علامات لا تُقرأ بالأرقام فقط، بل تُقرأ بما وراءها من قصص إنسانية صامتة. فالغياب المتكرر وإن بدا سلوكا عاديا في الظاهر، إلا أنه في العمق مرآة تعكس اختلالا ما في العلاقة بين التلميذ والمدرسة وبين المتعلم وذاته.

ليس الغياب دوما هروبا من الدروس أو كسلا تربويا كما يُختزل في كثير من التفسيرات، بل هو أحيانا هروب من قلق داخليٍّ، من مشاعر غير مفهومة، من منظومة لا تمنح معنى للتعلّم. فحين يعجز المتعلّم عن إيجاد ذاته في الفضاء المدرسي يصبح الغياب فعلا رمزيا، رفضا صامتا أو نداء خفيّا للانتباه.
كم من تلميذ يغيب جسده عن القسم، لكن غيابه الحقيقي يبدأ منذ حضوره، حين يجلس صامتا بعينين زائغتين وذهن مشتت بين قلق لا اسم له، وشعور متنام بعدم الانتماء.

لقد أثبتت دراسات علم النفس التربوي أن الغياب المزمن يرتبط أحيانا باضطرابات القلق والاكتئاب، أو بما يُعرف بمتلازمة النفور المدرسي، حيث تتحول المدرسة إلى مصدر توتر وضغط نفسي بدل أن تكون مجالا للنمو والاكتشاف. وقد بيّنت أبحاث أخرى أن الأطفال والمراهقين الذين يعانون من هشاشة وجدانية أو من تجارب أسرية مضطربة أكثر عرضة للغياب المتكرر، لأنهم يعيشون توترا داخليا يجعلهم عاجزين عن الانخراط في الإيقاع اليومي للحياة الدراسية.

كما لا يمكن فصل الظاهرة عن السياق التربوي والمؤسساتي. فحين تصبح المدرسة فضاء جامدا يغيب فيه الحوار وتتراجع فيه القيم الإنسانية أمام منطق النقاط والعقاب يفقد التلميذ شعوره بالأمان والانتماء. فالمدرسة التي لا تُنصت، لا تبني علاقة وجدانية مع متعلميها، والمدرسة التي تكتفي بالتقييم ولا تسائل المعنى، تُنتج حضورا جسديا غائبا، وغيابا مفعما بالاحتجاج.
ففي كثير من الحالات يكون الغياب شكلا من أشكال المقاومة الصامتة ضد منظومة لم تعد تلبي حاجات الجيل الجديد في التفاعل، الحرية والتعبير عن الذات.

أما الأسرة فهي الحلقة الأولى في فهم هذا السلوك. فحين يغيب التواصل الدافئ أو يسود الضغط الزائد أو الإهمال العاطفي يجد الطفل نفسه بلا قاعدة أمان داخلية، فيبحث عن متنفس في الغياب عن المدرسة. وقد يتحول الغياب إلى شكل من أشكال النداء الخفي: “انظروا إليّ… اسمعوني”، حيث يصبح السلوك رسالة مشفّرة إلى محيط لم يفكّ رموزها بعد.

الغياب المتكرر إذن ليس ظاهرة أحادية السبب، بل نتاج شبكة معقدة من العوامل النفسية والاجتماعية والتربوية. وكل غياب يحمل حكاية، وكل تأخر في الفهم يضاعف الفجوة بين المدرسة ومتعلميها.
من هنا فإن الحل لا يكمن في الزجر ولا في العقوبات التأديبية، بل في بناء ثقافة مدرسية راعية تُنصت قبل أن تحكم وتفهم قبل أن تُدين. فالمدرسة الحاضنة هي التي تتعامل مع الغياب باعتباره عرضا لخلل أعمق لا جريمة تستوجب العقاب.

فحين تُعيد المدرسة اكتشاف دورها كفضاء للعلاقة الإنسانية قبل أن تكون مؤسسة للامتحان، وحين يُمنح التلميذ الشعور بالأمان، الرعاية والانتماء فإن الحضور سيغدو فعل اختيار لا واجبا مفروضا.
وعندها فقط لن تكون المقاعد الفارغة علامة على غياب بل على بداية حضور جديد… حضور ينبع من شعور المتعلم بأنه مرئي، مفهوم، ومهم.

قم بكتابة اول تعليق

اترك رد