التقبل دور الحالة النفسية في التعافي: مقاربة سوسيونفسية

موند بريس / بقلم: دة.سعاد السبع

في رحلة الإنسان مع الألم والمرض يتجلّى التعافي بوصفه سيرورة متكاملة لا تختزل في التدخلات الطبية وحدها، بل تشترك فيها الأبعاد الجسدية والنفسية والاجتماعية والروحية. ويبرز هنا مفهوم التقبّل باعتباره نقطة تحول أساسية: فهو ليس استسلاما أمام الواقع، بل وعيٌ به وقرار بالتكيف معه. وكما قال كارل يونغ: “ما نرفضه يستمر في السيطرة علينا، وما نتقبّله يصبح جزءا من نموّنا”.

من الإنكار إلى التقبّل: مسار نفسي معقد

يمر الإنسان في مواجهة الأزمات بمراحل متدرّجة تبدأ بالإنكار، حيث يرفض الاعتراف بوجود المرض أو المشكلة. تليها مشاعر الغضب والمساومة، ثم تأتي مرحلة الحزن وصولا إلى التقبّل الذي يشكّل نضجا نفسيا يسمح للفرد بإعادة توجيه طاقته.
فالتقبّل يخفّف من الصراع الداخلي ويتيح إعادة بناء التوازن. وهو ما تؤكده المقاربة المعرفية السلوكية: إن ما يربكنا ليس الحدث في ذاته، بل الكيفية التي نفسّره بها. يقول ألبرت إليس: “لسنا نُربك من الظروف، بل من الطريقة التي نفسّر بها تلك الظروف”.

التقبّل: قوة خفية لا ضعف

التقبّل لا يعني الاستسلام ولا التخلي عن المقاومة، بل هو إعادة تعريف المقاومة ذاتها. فبدل أن ينفق الفرد طاقته في مقاومة ما لا يمكن تغييره، يوجّه جهوده نحو ما يمكن تغييره فعليّا: أسلوب حياته، نمط تفكيره، التزامه بالعلاج… هنا يتحوّل التقبّل إلى فعل قوة ووعي.

الحالة النفسية: الوقود الخفي للتعافي

أثبتت الأبحاث النفسية والطبية أن المشاعر الإيجابية — كالرضا والأمل — ترفع من مستوى المناعة وتُسرّع الاستجابة للعلاج، بينما اليأس والقلق يفاقمان الأعراض. وقد لخّص ذلك فيكتور فرانكل قائلا: “من يملك سببًا يعيش من أجله يمكنه أن يتحمّل أي كيف”.
فالحالة النفسية الإيجابية ليست مجرد انعكاس للمرض، بل هي عنصر فاعل يوجّه مسار التعافي.

الفرد في شبكة العلاقات: البعد السوسيونفسي

التعافي ليس حدثا فرديا معزولا، بل تجربة اجتماعية. فشبكة العلاقات الداعمة — من أسرة وأصدقاء ومجتمع — تسهم في رفع الروح المعنوية وتعزيز القدرة على التقبّل.
أثبت علم النفس الاجتماعي أن الدعم العاطفي يقلّل من مستويات هرمون التوتر (الكورتيزول)، ويمنح المريض شعورا بالانتماء والاعتراف. بذلك يصبح التعافي خبرة جماعية تشاركية أكثر منه مسارا فرديا صرفا.

التقبّل بين الفلسفة وعلم النفس

الرواقيون شددوا على أن الحرية تبدأ بتمييز ما يمكن تغييره وما لا يمكن تغييره. يقول ماركوس أوريليوس: “امنح نفسك راحة حين تتقبّل أن العالم لا يسير وفق رغباتك”.

في حين أن التصوف الإسلامي يربط بين الرضا بالقضاء وبين السكينة الداخلية، حيث يصبح التقبّل ثقة في الأقدار الإلهية لا خضوعا سلبيا.

أما في العلاج النفسي الحديث ومن خلال اليقظة الذهنية (Mindfulness) يدعو إلى الحضور في اللحظة الراهنة وتقبّلها دون إصدار أحكام.

من الفرد إلى المجتمع: نحو ثقافة نفسية جديدة

التقبّل ليس مجرد مهارة فردية، بل هو حاجة اجتماعية. المجتمع الذي يعترف بالهشاشة الإنسانية ويدعمها يخلق بيئة صحية نفسيا. فنشر ثقافة التقبّل يساهم في تقليص الوصمة المرتبطة بالمرض النفسي والجسدي، ويمنح الأفراد شجاعة البوح وطلب المساندة.

ومن هذا كله فالتقبّل هو وعيٌ لا استسلام، قوة لا ضعف. والحالة النفسية ليست تفصيلا ثانويا، بل ركيزة أساسية في مسار الشفاء.
حين يتصالح الفرد مع ذاته وواقعه فإنه يجد أن التعافي ليس مجرد غياب للمرض، بل حضور للسلام الداخلي ومعنى أعمق للحياة. يقول ميخائيل نعيمة: “ما من ألم إلا وفي طياته بذرة شفاء”.

قم بكتابة اول تعليق

اترك رد