موند بريس / بقلم: دة.سعاد السبع.
منذ سنوات أصبح ما يُعرف بقانون الجذب حديثا واسع الانتشار في كتب التنمية الذاتية ومنصات التواصل الاجتماعي. يقوم هذا القانون على فكرة بسيطة وعميقة في آن: “الأفكار تجذب ما يشابهها وما تركز عليه يتحول إلى واقع.” لكن خلف هذا الطرح الذي يبدو أقرب إلى التفاؤل تختبئ أبعاد نفسية واجتماعية تستحق قراءة علمية معمّقة.
جذور المفهوم بين الفلسفة والعلوم الإنسانية
تعود جذور قانون الجذب إلى تصورات فلسفية قديمة ترى أن الإنسان يجذب إلى حياته ما يتوافق مع طاقته الداخلية. غير أن الانتشار الحديث له ارتبط بكتب وأعمال مثل السر الذي قدّمه كقوة شبه سحرية. أما من منظور علم النفس فإن الفكرة ترتبط بآليات التفكير الإيجابي والتوقعات الذاتية، حيث يصبح العقل البشري أكثر ميلا لرؤية واستدعاء ما يتماشى مع قناعاته.
يُقال: “العقل لا يرى الأشياء كما هي بل كما نؤمن أنها يمكن أن تكون.”
البعد النفسي: حين تتحول الفكرة إلى قوة دافعة
علم النفس يفسر قانون الجذب بآليات معروفة:
* التركيز الإدراكي: العقل يميل إلى تصفية المعلومات بما يتناسب مع ما يشغل تفكيرنا. من يفكر في النجاح، يلاحظ الفرص أكثر، ومن ينشغل بالخوف يرى العقبات في كل مكان.
* التوقعات الذاتية: الإيمان بقدرة ما يجعل الفرد أكثر إصرارا على العمل في اتجاهها، مما يزيد احتمالية تحققها.
* التأثير على المزاج والسلوك: الأفكار الإيجابية ترفع مستوى الدافعية والطاقة النفسية، بينما الأفكار السلبية تضعفها.
هكذا يتحول “الجذب” من مجرد شعار إلى آلية نفسية عملية، حيث يصوغ الفرد تجربته من خلال الطريقة التي يفكر بها.
البعد الاجتماعي: المجتمع كمرآة للأفكار
المقاربة السوسيونفسية تكشف أن قانون الجذب ليس مجرد عملية فردية، بل هو أيضا عملية اجتماعية. فالأفكار والمشاعر لا تبقى حبيسة الذات، بل تنعكس في طريقة التواصل، في لغة الجسد وفي القرارات. وهذا ما يجعل الآخرين يستجيبون بطريقة تتوافق مع ما نرسله إليهم من إشارات ضمنية.
فمن ينشر الثقة في محيطه يلقى غالبا دعما واستجابة إيجابية. أما من يتعامل بروح التشاؤم والرفض فقد يدفع الآخرين دون وعي إلى تأكيد هذا الرفض. كما يعبّر علماء الاجتماع: “الواقع الاجتماعي ليس ما يحدث فقط، بل أيضا ما نعتقد أنه سيحدث.”
بين الأمل والتبسيط المفرط
قوة قانون الجذب تكمن في منح الأفراد شعورا بالسيطرة على مصائرهم عبر توجيه أفكارهم نحو ما يرغبون فيه. لكنه قد ينطوي أيضا على خطر التبسيط حين يُقدَّم كقانون كوني حتمي يغفل العوامل البنيوية والموضوعية التي تؤثر في حياة الإنسان: الفقر، التفاوتات الاجتماعية والفرص غير المتكافئة.
فالتركيز على الأفكار الإيجابية لا يكفي وحده لتغيير واقع تُشكّله عوامل اقتصادية وسياسية معقدة. وهنا يظهر الجانب النقدي: لا ينبغي أن يتحول قانون الجذب إلى خطاب يحمّل الفرد وحده مسؤولية فشله متجاهلا البنية الاجتماعية التي تحيط به.
قراءة سوسيونفسية معمّقة
المقاربة السوسيونفسية تبرز التفاعل المزدوج لقانون الجذب:
* على المستوى النفسي: يتيح للفرد طاقة إضافية عبر الإيمان بقدراته، مما يوجّه سلوكه نحو أهدافه.
* على المستوى الاجتماعي: يساهم في خلق تفاعلات إيجابية أو سلبية تبعا للإشارات التي يرسلها الشخص إلى محيطه.
* على المستوى البنيوي: يظل القانون محدود الفعالية إذا لم يُدرج ضمن سياق أوسع يأخذ بعين الاعتبار الشروط الاجتماعية والثقافية التي تحدد فرص الأفراد.
إحدى المقاربات النقدية تقول: “الأفكار قوة، لكنها لا تتحقق في فراغ، إنها تتجسد داخل بنى اجتماعية واقتصادية لا يمكن تجاهلها.”
نحو توازن في الفهم
إن إعادة قراءة قانون الجذب بعيون علمية لا تنفي قيمته، بل تضعه في مكانه الصحيح: أداة مساعدة للفرد على بناء وعي إيجابي دون أن يُختزل العالم في مجرد انعكاس للأفكار. فالإيجابية قد تفتح أبوابا لكنها تحتاج إلى عمل وإلى وعي بالعوامل الاجتماعية التي تُشكّل حدود الممكن.
الرسالة الأهم هي أن الإنسان مدعو إلى أن يكون مسؤولا عن أفكاره بقدر ما هو واعٍ بظروفه. وبين الأمل والواقع تكمن قوة التوازن.
قم بكتابة اول تعليق