موند بريس / بقلم: دة. سعاد السبع
يقول دانيال غولمان صاحب النظرية الأشهر في هذا المجال: “ليس الأذكى من يعرف كيف يحل المعادلات الرياضية، بل من يعرف كيف يحل عقد قلبه وعلاقات حياته” (Goleman 1995). هذه العبارة تختصر جوهر ما يُعرف بالذكاء العاطفي، ذاك البعد الخفي من الذكاء الذي يمنحنا القدرة على إدراك مشاعرنا وفهم عواطف الآخرين وإدارة الانفعالات بما يضمن توازنا داخليا وعلاقات أكثر نضجا.
فالذكاء العاطفي ليس مجرد مفهوم نفسي، بل هو جسر يصل بين الفرد ومحيطه الاجتماعي، ويؤثر في جودة تفاعلاته واستقراره النفسي وإنتاجيته المهنية، بل وفي سلامة نسيجه العائلي.
الذكاء العاطفي بين الفرد والمجتمع
يشير علماء النفس الاجتماعي إلى أنّ الإنسان لا يعيش في فراغ، بل يتشكل وعيه العاطفي من خلال شبكة معقدة من التفاعلات. يقول عالم الاجتماع بيير بورديو: “إن الفرد ليس كيانا منعزلا، بل ثمرة الحقول الاجتماعية التي يتنقل بينها” (Bourdieu 1980).
من هذا المنظور، يصبح الذكاء العاطفي قدرة مزدوجة:
* فردية: تُمكّن الشخص من قراءة ذاته وضبط انفعالاته.
* اجتماعية: تتيح له فهم لغة العاطفة لدى الآخرين والتصرف وفقها بوعي ولباقة.
الذكاء العاطفي في الأسرة
الأسرة هي المدرسة الأولى للعاطفة. فحين يترعرع الطفل في بيئة تُتيح له التعبير عن مشاعره دون خوف وتتجاوب مع انفعالاته بتفهم ينمو وعيه العاطفي متوازنا. وعلى العكس فإن غياب الحوار العاطفي داخل الأسرة قد يؤدي إلى هشاشة في الشخصية وصعوبات في التواصل لاحقا.
تشير دراسات حديثة إلى أن الأطفال ذوي الذكاء العاطفي العالي أكثر قدرة على مواجهة التنمر المدرسي، وأقل عرضة للاكتئاب (Mayer & Salovey 2004).
الذكاء العاطفي في المدرسة
يقول باولو فريري في كتابه “تربية المقهورين”: “التعليم الحقيقي لا ينفصل عن العاطفة فالمعرفة بلا حس إنساني تتحول إلى أداة قهر” (Freire 1970).
إن إدماج التربية العاطفية في المناهج المدرسية لم يعد ترفا، بل ضرورة لتنشئة جيل قادر على إدارة التوترات، احترام الاختلافات والتواصل بفاعلية. فالتلميذ الذي ينجح في امتحان ضبط غضبه أو تفهّم مشاعر زميله لا يقل قيمة عن الذي ينجح في امتحان الرياضيات أو الفيزياء.
الذكاء العاطفي في العمل
في بيئة العمل يُعتبر الذكاء العاطفي رأس مال اجتماعي يساهم في تعزيز التعاون والقيادة الفعالة. فقد أظهرت دراسة لبيتر سالوفي وزملائه (2004) أن القادة ذوي الذكاء العاطفي العالي يحققون نتائج أفضل في إدارة فرقهم لأنهم يوازنون بين الحزم والتفهم ويحوّلون الأزمات إلى فرص.
وهنا يتأكد أن النجاح المهني لا يُبنى فقط على الكفاءة التقنية، بل أيضا على مهارة الإصغاء، القدرة على احتواء الغضب والتعاطف مع ضغوط الزملاء.
الذكاء العاطفي في زمن الرقمنة
يقول المفكر زيغمونت باومان في كتابه “الحب السائل”: “علاقاتنا في زمن الحداثة السائلة هشة لأنها تفتقد إلى عمق العاطفة” (Bauman 2003).
اليوم ومع سيطرة الشاشات على تواصلنا يزداد الذكاء العاطفي أهمية. فهو الذي يساعدنا على التمييز بين صدق المشاعر وابتسامات الرموز التعبيرية، وعلى إدارة النقاشات الرقمية دون انزلاق إلى عنف لفظي أو تنمّر افتراضي. إنّه المهارة التي تضمن بقاء إنسانيتنا في فضاء افتراضي سريع التوتر.
خاتمة
الذكاء العاطفي ليس مجرد “ترف عاطفي” ولا “نظرية نفسية”، بل هو مهارة حياتية تتقاطع فيها الذات بالمجتمع، من الأسرة إلى المدرسة، ومن فضاء العمل إلى العالم الرقمي، ويظل الذكاء العاطفي البوصلة التي توازن بين العقل والعاطفة وتمنح الإنسان قوة داخلية تجعله أكثر قدرة على الصمود وأكثر رحابة في التعامل مع الآخر.
ولعلنا نردد هنا ما قاله جبران خليل جبران: “العاطفة نصف العقل ومن أهملها عاش بنصف إنسان”.
قم بكتابة اول تعليق