التكوين المستمر للأطر التعليمية: استثمار في الإنسان وتجديد في المدرسة

موند بريس / بقلم: دة.سعاد السبع

في زمن تتسارع فيه التحولات الاجتماعية والمعرفية، لم يعد دور الأستاذ مقتصرا على تلقين المعلومات، بل أصبح مطالبا بمواكبة المستجدات التربوية والنفسية وفهم ديناميات الصف المدرسي بكل تعقيداتها. وهنا تبرز أهمية التكوين المستمر كرافعة أساسية لتحسين العملية التعليمية التعلمية، وتجديد الرؤية التربوية بما يخدم المتعلم والمدرسة والمجتمع.

التكوين المستمر: حاجة ملحة لا خيارا إضافيا

يُعرّف الباحث الفرنسي “إدغار موران” التربية بأنها “إعداد الإنسان ليواجه المجهول أكثر مما يواجه المعلوم”. وهذا المعطى يلزم الأستاذ بأن يطور معارفه باستمرار، لأن المعرفة وحدها لا تكفي إن لم تتجدد. التكوين المستمر يمنحه الأدوات الكفيلة بالتعامل مع أنماط مختلفة من المتعلمين: المتفوق، المتعثر وذوي صعوبات التعلم.

الفروق الفردية والذكاءات المتعددة

علم النفس التربوي بيّن أن لكل متعلم بصمته الخاصة في التعلم. فما يصلح لتلميذ قد لا يصلح لآخر. وهنا تظهر أهمية تكوين المدرس في استراتيجيات التعليم الحديثة التي تراعي الذكاءات المتعددة (لغوي، منطقي، حركي، موسيقي، بصري، طبيعي، اجتماعي، ذاتي). فإدراك هذه الاختلافات يساعد على صياغة أنشطة متنوعة تجعل الصف الدراسي أكثر عدلا وفعالية.

التكوين المستمر كرافعة للجانب النفسي والاجتماعي

المدرس الذي يخوض تجارب تكوينية متجددة يصبح أكثر وعيا بالبعد النفسي للمتعلمين. فهو قادر على تمييز صعوبات التعلم عن الكسل المدرسي، وعلى التعامل برصانة مع التوترات والضغوط التي يعيشها المتعلم داخل القسم أو خارجه. كما أن هذه التكوينات تعزز ثقة الأستاذ بنفسه، وتجعله أكثر قدرة على بناء علاقة إنسانية وصحية مع تلاميذه.
يقول التربوي البرازيلي باولو فريري: “التعليم فعل حب ولهذا لا يمكن أن يكون حياديا”، والأستاذ المتكون باستمرار يكون أكثر حساسية لهذا البعد الإنساني في علاقته بمتعلمين متنوعين اجتماعيا وثقافيا.

أثر التكوين على جودة المدرسة والمجتمع

الاستثمار في التكوين المستمر ليس مكسبا للأستاذ فقط، بل انعكاسه يتعدى إلى جودة المدرسة ومخرجاتها. فالمتعلم الذي يحظى بتعليم يتماشى مع قدراته الفردية ينشأ أكثر استعدادا للاندماج في المجتمع، وأكثر قدرة على الإبداع والإسهام في التنمية. بعبارة أخرى حين نكوّن الأستاذ فإننا نكوّن الأجيال.

نحو رؤية شمولية للتكوين المستمر

إن التكوين المستمر ليس لحظة ظرفية ولا نشاطا تكميليا، بل هو مسار ممتد مدى الحياة. فالمدرس الناجح هو الذي يدرك أن وظيفته في جوهرها تربية وتكوين وتجديد متواصل. يقول الفيلسوف جون ديوي: “إذا علّمنا اليوم كما علّمنا بالأمس فإننا نسلب أبناءنا الغد.”

خلاصة:
إن التكوين المستمر ضرورة وجودية للأستاذ وركيزة أساسية لتحسين الأداء التربوي والنفسي والاجتماعي داخل المدرسة. فهو يضمن انفتاح الممارسات التعليمية على طرق حديثة، ويجعل العملية التعليمية أكثر عدلا وفاعلية، كما يكرّس صورة المدرسة كمؤسسة تعلمية تنبض بالحياة والتجديد.

 

 

قم بكتابة اول تعليق

اترك رد