الاستعداد النفسي للدخول المدرسي: حين تتحول البداية إلى عبء على الأسر

موند بريس / بقلم: دة.سعاد السبع

مع اقتراب الدخول المدرسي، ترتفع وتيرة الحركة في البيوت والشوارع والمحلات، لكن خلف هذا الزخم المادي هناك حركة أكثر صخبا لا تُرى بالعين، إنها الحركة النفسية التي يعيشها الآباء والأمهات وهم يستعدون لمرحلة جديدة من حياة أبنائهم. الدخول المدرسي لم يعد مجرد لحظة تنظيمية في مسار السنة الدراسية، بل صار امتحانا اجتماعيا ونفسيا للأسرة كلها.

بين متطلبات الواقع وطموحات الأسر

ينطلق الاستعداد من تفاصيل تبدو بسيطة: اقتناء الكتب والأدوات والزيّ المدرسي. غير أن هذه التفاصيل تتحول سريعا إلى ضغط نفسي، خصوصا مع ارتفاع الأسعار وتعدد المتطلبات. فبين الآباء من يقضي أياما في البحث عن الأرخص والأجود، وبين من يلجأ إلى الاقتراض لتغطية النفقات. هنا يتحول الدخول المدرسي إلى معركة مالية تستنزف القدرة الشرائية وتستدرج القلق من المستقبل.
لكن البعد الأعمق يتجاوز الاقتصاد ليصل إلى الطموحات الأسرية. فالكثير من الآباء والأمهات يرون في المدرسة انعكاسا لصورتهم الاجتماعية. وكأن جودة المؤسسة التعليمية لم تعد مرتبطة حصرا بتأمين تكوين جيد، بل صارت رمزا للوجاهة والنجاح الاجتماعي. هذا ما يفسر إقبال العديد من الأسر على تسجيل أبنائهم في المدارس الخاصة أو في “أرقى المؤسسات”، حتى إن كان ذلك يتجاوز طاقتهم المادية.

مقارنات قاتلة

وفق نظرية ليون فستنغر في علم الاجتماع، فإن المقارنة الاجتماعية قد تدفع الإنسان نحو التطور، لكنها في كثير من الأحيان تتحول إلى مصدر معاناة. وهذا ما يحدث للأسر في الدخول المدرسي. فالمقارنة تبدأ من نوع المدرسة: “هل سجلت ابنك في مؤسسة عمومية أم خاصة؟”، “هل هي ثنائية اللغة أم دولية؟”، لتتطور لاحقا إلى مستوى الأدوات والأنشطة الموازية وحتى الدروس الخصوصية.

إحدى الأمهات عبّرت عن معاناتها قائلة: “أشعر وكأنني في سباق لا ينتهي، كلما بذلت جهدا لتأمين الأفضل، أجد أن هناك من سبقني بخطوة أخرى. النتيجة أنني أنهك ماديا ونفسيا دون أن أشعر بالرضا”. هذه الشهادة تلخص حالة نفسية تعيشها فئات واسعة من الأسر، حيث تتحول الرغبة في الأفضل إلى مصدر دائم للقلق والإرهاق.

الضغط النفسي وانتقاله إلى الأبناء

علم النفس الأسري يوضح أن الضغط لا يبقى حبيس الآباء، بل ينتقل بشكل غير مباشر إلى الأبناء. فالطفل يلتقط إشارات التوتر فيعبر عنها إما بالرفض المدرسي، أو بفقدان الحماس، أو بالعصبية المفرطة. وكأن الدخول المدرسي يصبح لحظة هشاشة مزدوجة: قلق الأبناء من الاندماج في محيط جديد، وقلق الآباء من مجاراة التحديات الاجتماعية والمادية.

يقول عالم النفس الفرنسي إريك فروم: “حين يعيش الأهل في دائرة من القلق المستمر، فإن أبناءهم يكبرون داخل قفص من التوتر، حتى وإن لم تُفتح بوابة الكلام”.

بعد اجتماعي: حين تتحول المدرسة إلى سلعة

لا يمكن إغفال البعد الاجتماعي في هذا النقاش. فالمدرسة التي كان يُنظر إليها كمؤسسة تربوية عمومية وفضاء للتنشئة، أصبحت اليوم في نظر العديد من الأسر “سلعة” مرتبطة بالعرض والطلب. وهذا التحول جعل بعض الآباء يلهثون وراء مؤسسات بعينها، معتبرين أن مجرد تسجيل أبنائهم فيها يمنحهم قيمة إضافية في المجتمع.

لكن هذا المنطق يطرح مفارقة عميقة: فالتعليم الذي يُفترض أن يكون مصدرا للتحرر والنهوض، يتحول إلى قيد مادي ونفسي يثقل كاهل الأسرة، ويجعلها في حالة استنزاف دائم.

نحو مقاربة أكثر واقعية

الخبراء في علم النفس والتربية يدعون الأسر إلى التخفيف من حدة المقارنات والوعي بأن التعليم ليس مجرد “ماركة مسجلة”، بل هو مسار طويل يقوم على التراكم، وعلى علاقة صحية بين الطفل وأسرته ومدرسته. فالاستثمار في الحوار، الدعم النفسي وبناء الثقة قد يكون أكثر نجاعة من الاستثمار المفرط في مؤسسات لا تنعكس جودتها بالضرورة على نفسية الطفل أو قدراته الفعلية. يقول عالم الاجتماع بيير بورديو: “القيمة الحقيقية للتعليم ليست فيما تكتبه المؤسسة على جدرانها، بل فيما يكتبه على وعي التلميذ ووجدانه”.

خاتمة
إن الاستعداد النفسي للدخول المدرسي ينبغي أن يبدأ من الداخل: من طمأنة الذات، تحديد الأولويات والتخلي عن سباق المقارنات. فالطفل يحتاج إلى والدين متوازنين أكثر مما يحتاج إلى مدرسة باهظة. وإذا ما نجحت الأسر في تحويل هذه اللحظة إلى فرصة للتقارب والحوار، فإن الدخول المدرسي لن يكون عبئا، بل بداية جديدة تنبض بالأمل كما ينبغي لها أن تكون.

قم بكتابة اول تعليق

اترك رد