موند بريس / بقلم: دة. سعاد السبع
لم يعد مشهدُ الألم يهزّ القلوب كما كان. لقطة مصوّرة لحادثة مأساوية، بث مباشر لمأساة، وصغير يضحك على فيديو “ترند” آخر قبل أن يكتمل الأول. في زمن الريلز، يتبدّل إيقاع الانفعال الإنساني: تسارع حسيّ مستمر، جرعات إثارة خاطفة ونتيجة مقلقة في صفوف الأطفال والشباب: تبلّد وجداني وصعوبة في فهم المشاعر أو التعبير عنها، بل وتراجع الاستجابة التعاطفية لصالح “التوثيق” والنشر.
ماذا تفعل المقاطع القصيرة بدماغ الناشئة؟
تشير دراسات حديثة إلى أن الاستخدام الكثيف للفيديوهات القصيرة يرتبط بارتفاع مؤشرات الشرود وقلة الانتباه والسلوك الاندفاعي، مع تأثيرات على الضبط التنفيذي والانضباط الذاتي. التأثير يكون أوضح لدى المراهقين الذين لا تزال أدمغتهم في طور التشكّل العصبي ما يجعلهم أكثر هشاشة أمام إغراء المكافآت الفورية.
“كلما قَصُرَت اللقطة وطال السَّيل، انكمش صبر الدماغ على المعنى الطويل.”
من الترفيه إلى التبلّد
تُبيّن أبحاث علم النفس أن التعرّض المتكرر لمشاهد العنف أو المآسي يؤدي إلى التعوّد (Desensitization) أي انخفاض الاستجابة الانفعالية مع الزمن. وهكذا يتراجع التعاطف أمام صور الضحايا أو الحوادث، ويُستبدل بردود فعل فاترة أو ساخرة أحيانا. هذا النمط يتقاطع مع مفهوم إرهاق التعاطف (Compassion Fatigue) الذي ينشأ من فرط التعرّض للمعاناة دون مساحة للمعالجة، فينطفئ جهاز الإنذار الأخلاقي وننزلق إلى “الخَدَر الشعوري”.
ثقافة المتفرّج المُصوِّر
في الفضاء العام، نلحظ اليوم سلوكا جديدا: الوقوف للتصوير بدلا من الإسعاف. إنها نسخة رقمية من أثر المتفرّج التقليدي حيث يتوهم كل شخص أن غيره سيتدخّل. الفرق أن البث المباشر والتوثيق باتا أولوية لدى كثيرين، حتى وهم يقفون أمام ضحية تحتاج المساعدة.
“ساعد أولا… صوّر لاحقا — إن كان للتوثيق قيمة.”
لماذا الناشئة أكثر عُرضة؟
1. التطوّر العصبي: حساسية الدماغ المراهق للمكافأة الفورية تجعل مقاومة الريلز أصعب.
2. تصميم المنصات: الخوارزميات تقدّم صدمات انفعالية متعاقبة (مضحك/مبكٍ/صادم)، ما يُضعف الاستقرار الشعوري.
3. غياب لغة المشاعر: حين لا يجد الطفل من يعلّمه تسمية مشاعره يعجز عن التعبير فيلجأ إلى التخدير الرقمي بدل الفهم.
مؤشرات الإنذار:
* البحث المستمر عن الإثارة السريعة.
* تقلبات مزاجية وصعوبة في تسمية المشاعر.
* اللامبالاة أمام المآسي والاكتفاء بالتصوير.
ما العمل؟ (مداخل وقائية وعلاجية)
* تربية انفعالية: حصص مدرسية لتعليم “مفردات المشاعر” وتمارين للتعاطف.
* تنظيم الاستخدام: قاعدة 20–20–2 (كل 20 دقيقة تمرير، استراحة دقيقتان بلا شاشة).
* إعادة توازن حسي: قراءة، موسيقى، رياضة لإحياء دوائر المتعة الطبيعية.
أخلاقيات عامة: ملصقات مجتمعية بعنوان “ساعد أولا، صوّر لاحقا”.
تمكين المربي/المعلّم: أدوات لرصد مؤشرات الإرهاق الانفعالي والتدخل المبكر.
أرقام تثير القلق
* 3 ساعات يوميا هو المتوسط العالمي لمشاهدة الشباب للفيديوهات القصيرة وفق تقارير رقمية حديثة.
* 70% من المراهقين يقرّون بأنهم يفضّلون الريلز على مشاهدة فيلم كامل أو قراءة قصة طويلة.
* 30 ثانية هي المدة التي يستطيع فيها معظم اليافعين الحفاظ على تركيزهم قبل الانتقال لمحتوى جديد.
دراسات علمية
* دراسة أمريكية (2023) أظهرت أن الإفراط في مشاهدة المقاطع القصيرة يرتبط بزيادة السلوكيات الاندفاعية وانخفاض التحكم التنفيذي لدى المراهقين.
* بحث في “علم الأعصاب الإعلامي” بيّن أن التعرّض المكثف لخلاصات الفيديو القصير يبدّل دوائر المكافأة الدماغية، ويجعل الدماغ يبحث عن الإثارة اللحظية بدل التفاعل العميق.
* تقارير نفسية حديثة ربطت بين التعرّض المستمر لمشاهد العنف الرقمي وتراجع مستوى التعاطف وتزايد اللامبالاة.
خاتمة
التكنولوجيا ليست العدو، بل غياب التوازن هو الخطر. إن لم نعلّم أبناءنا لغة الشعور ونمنحهم فواصل رحيمة بعيدا عن شاشاتهم فسيتحوّل الانبهار اللحظي إلى خَدَر وجداني، وسنخسر إنسانيتنا في زحمة الترفيه العابر.
وظيفتنا أن نستعيد القدرة على التأثر، وأن نحوّل “المشاهد” من متفرّج سلبي إلى إنسان فاعل يُسعف قبل أن يُصوّر، ويشعر قبل أن يُشارك.
قم بكتابة اول تعليق