موند بريس / بقلم: دة.سعاد السبع
لم يعد حضور المرأة في سوق العمل مجرد خيار فردي أو ترف اجتماعي، بل أصبح ضرورة تمليها تحولات اقتصادية وثقافية. لكن خلف الصورة المشرقة للمرأة الموظفة أو المسيرة أو الأستاذة… تقبع تحديات نفسية واجتماعية تجعل من تجربتها المهنية ساحة معقدة للتوازن بين الطموح والواجب وبين الذات والآخر.
بين التمكين وضغوط الواقع
المرأة العاملة غالبا ما تعيش حالة شد وجذب بين رغبتها في بناء مسار مهني ناجح وبين مسؤولياتها الأسرية. وكما تقول الباحثة أرلي هوشيلد في كتابها الوردية الثانية: “حين تعود المرأة من العمل فإنها تبدأ وردية أخرى في البيت”، في إشارة إلى الازدواجية التي تعيشها النساء بين الأدوار المهنية والأسرية.
وقد أظهرت دراسة صادرة عن منظمة العمل الدولية سنة 2022 أنّ 41% من النساء العاملات حول العالم يعبّرن عن شعورهن الدائم بالضغط النفسي نتيجة صعوبة الموازنة بين العمل والحياة الأسرية، مقابل 25% فقط من الرجال.
هوية مهنية وهوية أنثوية
سيكولوجية المرأة العاملة مرتبطة بسؤال الهوية في بعديه النفسي والاجتماعي. فهي تسعى لإثبات ذاتها مهنيا عبر الإنجاز، لكنها تُطالب أيضا بالحفاظ على صورة “المرأة المثالية” التي توازن بين أدوار الأمومة والزوجية والعلاقات الاجتماعية. ويشير عالم النفس إريك إريكسون إلى أن “المرأة تواجه صراعا مضاعفا في بناء هويتها، لأنها مطالبة بتأدية أدوار متعارضة في مجتمع يضع معايير صارمة للنجاح الأنثوي”.
الضغوط النفسية والتأثيرات الصحية
لا يمكن إغفال الآثار النفسية الناتجة عن الضغوط المتراكمة. فالمرأة العاملة قد تواجه مستويات عالية من القلق، الإرهاق العاطفي وحتى الاحتراق الوظيفي. ووفقا لدراسة نشرت في مجلة Journal of Occupational Health Psychology (2021)، فإن النساء أكثر عرضة بنسبة 20% للإصابة بأعراض الاحتراق النفسي مقارنة بالرجال، خصوصا في المهن التي تتطلب رعاية مباشرة أو عملا عاطفيا كثيفا مثل التعليم والتمريض.
بين التحديات والقوة النفسية
ورغم هذه الصعوبات، فإن المرأة العاملة أثبتت قدرة عالية على الصمود والتكيف. فالعمل يمنحها – كما يقول عالم النفس أبراهام ماسلو – فرصة لإشباع حاجات عليا مثل تحقيق الذات والانتماء والاعتراف. وتشير أبحاث نفسية عديدة إلى أنّ مشاركة المرأة في سوق الشغل تعزز من شعورها بالكفاءة الذاتية وتزيد من تقديرها لذاتها، كما توفر لها استقلالية مالية تساعدها على مواجهة الضغوط المجتمعية.
بيئة عمل داعمة: ضرورة لا رفاهية
إن دعم المرأة العاملة لا يقتصر على إصدار شعارات التمكين، بل يتطلب سياسات عملية تراعي خصوصيتها النفسية والاجتماعية. فإرساء برامج “العمل المرن”، توفير حضانات داخل المؤسسات واعتماد برامج دعم نفسي للموظفات، ليست مجرد امتيازات بل حقوق أساسية. فقد أثبتت تجربة الدول الإسكندنافية أن توفير مثل هذه الشروط يرفع من إنتاجية المرأة ويقلص من مستويات الضغط النفسي لديها بشكل ملحوظ.
خاتمة
سيكولوجية المرأة العاملة تكشف الوجه الآخر لمسيرة التمكين: إنها ليست فقط قصة نجاح، بل أيضا حكاية صراع يومي مع الأدوار المتعددة. ورغم التحديات تثبت المرأة أنّها قادرة على تحويل الضغوط إلى طاقة إيجابية لتصبح مشاركتها في العمل ليس مجرد مساهمة اقتصادية، بل خطوة في بناء مجتمع أكثر عدلا وتوازنا.
قم بكتابة اول تعليق