العلاقات المؤذية نفسيا: حين يتحول الحب إلى سم عاطفي

موند بريس / بقلم: دة. سعاد السبع

في خضم اللهفة العاطفية، وفي دهاليز التعلق العميق، قد يتسلل الألم في هيئة حب. وقد تتحول العلاقة التي يفترض أن تكون سندا واحتواء إلى قيد نفسي سام يتسلل ببطء إلى الداخل، ينخر في تقدير الذات ويغتال الإحساس بالأمان. إنها العلاقات المؤذية نفسيا، حيث يتحول الحب إلى سمّ عاطفي يسري في العروق بلا صوت.

الحب السام: قناع الجاذبية وواقع الانكسار

في كثير من الأحيان لا يبدأ الألم بصراخ، بل بابتسامة، وعود ودفء مفرط يربك الحواس. ثم شيئا فشيئا يتحول ذاك الدفء إلى نار خفية تحرق الكرامة وتشوّه المعنى النبيل للحب.
وتشير الدراسات النفسية إلى أن العلاقات السامة تتسم غالبا بنمط من “التمسّك المرضي” (codependency)، حيث يُغذّي أحد الطرفين حاجته للسيطرة مقابل خضوع الآخر بدافع الخوف من الهجر أو فقدان المعنى.
ويقول عالم النفس الأمريكي “مارك مانسون” في كتابه The Subtle Art of Not Giving a F*ck “العلاقات السليمة تقوم على الصدق والمسؤولية المتبادلة، أما العلاقات السامة فتمتلئ بالاتهامات، الإنكار والاعتماد المفرط”.

المقاربة السوسيو-نفسية: لماذا نقبل الأذى باسم الحب؟

من زاوية سوسيولوجية تنشأ بعض الأنماط المؤذية نتيجة تطبيع مجتمعي مقلق مع فكرة “التضحية المطلقة” أو “الاحتواء بأي ثمن” خاصة لدى النساء. ففي مجتمعاتنا ما زال البعض يخلط بين الصبر على الشريك وبين التواطؤ على الذات. وتُعزز ثقافة الخضوع هذه عبر رسائل تربوية وأمثال شعبية تُمجّد الصبر على الألم حتى وإن كان يهدم النفس.

أما نفسيا فيؤكد خبراء علم النفس الإكلينيكي أن الأشخاص الذين يعانون من جروح الطفولة كالهجر أو الإهمال العاطفي، قد يجدون أنفسهم منجذبين مرارا إلى علاقات تعيد تفعيل ذات الجراح في تكرار مؤلم لما يُعرف بـ”متلازمة التكرار القهري” (Repetition Compulsion).

أعراض العلاقة السامة

لا يحتاج الأمر إلى عنف جسدي لاعتبار العلاقة مؤذية. فالإهمال المتكرر، التلاعب العاطفي، الغيرة المرضية، التحقير، فرض العزلة، التهديدات المقنّعة واللوم المستمر… كلها مظاهر لأذى صامت، لكنه قاتل.

وقد بيّن “جوتمن” (Gottman)، أحد أبرز الباحثين في العلاقات الزوجية أن “الاحتقار” هو المؤشر الأخطر لتدهور العلاقة، وهو أول بوادر السم العاطفي.

متى يصبح الحب شفاء؟ ومتى يكون فخا؟

الحب الحقيقي لا يؤذي، لا يُقصي، لا يبتز، ولا يُربكك أمام نفسك. إن وجد المرء نفسه دائما في موقع التبرير، أو في حالة شك في ذاته، أو فقد احترامه لنفسه بسبب العلاقة، فذلك مؤشر أحمر يجب التوقف أمامه.
وكما قالت الطبيبة النفسية “نيكول ليبّيرا”: “العلاقة الصحية لا تعني غياب المشاكل، بل تعني وجود شخص مستعد لحلها دون أن يكسرك”.

نحو وعي عاطفي ناضج

التعافي من علاقة مؤذية لا يمر عبر علاقة جديدة، بل يبدأ من استعادة الاتصال بالنفس، ومعالجة الشقوق الداخلية التي جعلتنا نختار الأذى ونبرره. صار لا بد من ثقافة عاطفية جديدة قوامها الإدراك، الحدود والحق في الأمان النفسي دون مساومة.

خلاصة القول
ليست كل علاقة تُبنى باسم الحب تستحق أن تُبقي على نفسك فيها. فبعض أنواع الحب مهما تلونت ليست سوى سمّ يتسلل في غفلة من القلب. ولعل أولى درجات الشفاء، هي أن تعترف بأنك تستحق حبًا لا يُؤلمك.

 

 

قم بكتابة اول تعليق

اترك رد