موند بريس / بقلم: دة. سعاد السبع
“ليست المأساة أن الأطفال باتوا يمسكون الهواتف أكثر مما يمسكون أيدي والديهم… بل في أن أحدًا لم ينتبه أنهم صاروا وحيدين ونحن بقربهم.”
في زمن تتسارع فيه التكنولوجيا وتتشظى فيه العلاقات الأسرية، يبرز سؤال مُلح: ما الذي يحدث لأطفالنا؟ أين الدفء الذي كنا نشكو في طفولتنا من فرط احتضانه؟ لماذا أصبح جيل اليوم ـ رغم كل الوسائل “التواصلية” ـ أكثر انطفاءً، عزلة، وجوعًا عاطفيًا؟
بين العائلة والشاشة: من سرق الحنان؟
لقد أحدثت التكنولوجيا نقلة نوعية في حياة الأفراد، لكنها ـ بالمقابل ـ أنتجت ما يسميه علماء النفس بـ”الفراغ العاطفي الافتراضي”، وهو إحساس الطفل بالوحدة رغم وجوده في بيئة مملوءة بالأصوات والإشعاعات الرقمية. فالطفل وفقا للدكتورة Susan Greenfield لا يحتاج فقط إلى كلمات، بل إلى اتصال وجداني حي قائم على النظرات، اللمسات والتفاعل غير اللفظي، وهي عناصر غابت تدريجيا بسبب انغماس الأهل في هواتفهم، وانشغال الأطفال بشاشاتهم.
المسؤولية المشتركة: بين الأسرة والمجتمع.
تُظهر المقاربة السوسيونفسية أن الطفولة لا تتشكل فقط داخل الأسرة، بل داخل نسيج اجتماعي أوسع، يساهم في بناء الأمن العاطفي للطفل. وفي ظل أُسر مرهقة، منهكة اقتصاديا أو مشتتة وجدانيا، ترك المجتمع الطفل يتيه في عوالم رقمية خالية من العناق ومن “الدفء النفسي”.
وفقًا لتحليل John Bowlby فإن غياب التعلق الآمن في السنوات الأولى من الحياة يُنتج أفرادا يعانون لاحقا من اضطرابات في الهوية، القلق وتدني تقدير الذات. وهو ما نراه اليوم: أطفال يصرخون طلبا للانتباه، ليس بالكلام، بل بالصمت، بالعزلة، بالإدمان على المحتوى السطحي أو بإظهار سلوكيات عدوانية.
أعراض الفراغ العاطفي عند الأطفال:
* تعلق مفرط بالأجهزة الذكية
* نوبات غضب دون مبرر واضح
* تجنب الحديث عن المشاعر
* بحث عن بدائل للحنان في الفضاء الرقمي
* الانطواء أو التعلق المفرط بأقران غير داعمين
هذه الأعراض ـ وفق العديد من الدراسات النفسية ـ ليست سوى صرخات استغاثة لا تُسمع. وكأن الطفل يقول: “أنا هنا… فهل من أحد يسمعني دون شاشة؟”
هل فشلنا في التربية الوجدانية؟
التربية الحديثة ـ للأسف ـ ركزت على التعليم والنجاح والتحصيل، ونسيت أن الطفل يحتاج إلى احتواء قبل التوجيه. فعوض أن نملأ أرواحهم بالحب، ملأنا جداولهم بالأنشطة، وعوض أن نمنحهم عيوننا، منحناهم “الآيباد”.
يقول عالم الاجتماع الفرنسي Émile Durkheim: “حين تفقد الروابط الاجتماعية معناها، يتحول الفرد إلى كائن هشّ حتى وإن بدا قويّا في مظهره.” فماذا عن الطفل الذي لم تنضج لديه بعد أدوات المقاومة؟
نحو طفولة أكثر دفئا: ما الحل؟
لا يمكن اختزال المسؤولية في الأسرة فقط، بل في نموذج مجتمعي كامل يجب أن يعيد الاعتبار للوجدان، للمرافقة النفسية ولثقافة الحضور الحقيقي. ومن أبرز الحلول:
* تكوين الأهل في التربية العاطفية والإنصات النشط
* تخصيص وقت نوعي مع الطفل دون أجهزة
* تقنين مدة استخدام الشاشات وتوجيه محتواها
* إدماج الأنشطة الوجدانية في المدارس (حكاية، دراما، رسم تعبير)
* دعم برامج الإرشاد الأسري والوقاية النفسية داخل المؤسسات التعليمية.
في الختام…
لسنا بصدد محاكمة التكنولوجيا، بل محاكمة غيابنا نحن. فالطفل لا يحتاج لرفاهيات كثيرة، هو فقط يريد أن يرى نفسه في عين أمه، أن يسمع نبرة الحب في صوت أبيه، أن يشعر أنه “مرئيّ” في عالم لا يرى إلا ما يُبث على الشاشة.
جيل اليوم لا ينقصه الذكاء، بل الاحتواء. لا تنقصه الإمكانيات، بل اللمسة. وربما أكثر ما ينقصه هو عين دامعة تقول له: آسف لأنني انشغلت عنك… سأعود الآن إليك.
قم بكتابة اول تعليق