الوعي: مراتب العقل وقوانينه الخفية

موند بريس / بقلم: دة.سعاد السبع

في عالم تتسارع فيه الأحداث وتضطرب فيه القيم، يظل “الوعي” هو جوهر الإدراك وسرّ النجاة من التشييء والانجراف. ليس الوعي مجرّد انتباه أو إدراك لحظي، بل هو بنية عقلية وروحية معقّدة، تتدرج في مستوياتها وتخضع لقوانين دقيقة تنظم طريقة تفكيرنا وشعورنا وسلوكنا.

ما هو الوعي؟
يُعرّف الوعي في الأدبيات الفلسفية والنفسية بأنه: “الحالة التي يكون فيها الكائن مدركا لذاته ولما يدور حوله إدراكا انعكاسيا يُمكّنه من اتخاذ موقف أو إصدار حكم”. وهو بهذا يتجاوز الإحساس المباشر إلى القدرة على الملاحظة والتأمل والفهم الرمزي.

وقد ميّز عالِم النفس الأمريكي ويليام جيمس (William James) بين “تيار الوعي” الذي يتدفق بلا انقطاع وبين “الوعي الذاتي” الذي يسمح للإنسان بالوقوف على ذاته ككائن مستقل. أما في علم الأعصاب، فيُربط الوعي بنشاط مناطق محددة في الدماغ مثل القشرة الجبهية والجهاز الحوفي، من خلال ما يُعرف بـ الشبكة الافتراضية للدماغ (Default Mode Network).

مستويات الوعي:
يرى علماء النفس ومنهم سيغموند فرويد وكارل يونغ أن الوعي يتدرج في ثلاث طبقات:

* الوعي الواعي (Conscious): هو الإدراك المباشر للأفكار والمشاعر في اللحظة الراهنة. هنا تُمارس الفعل الإرادي ويُصدر القرار.

* اللاوعي أو العقل الباطن (Unconscious): وهو مستودع الدوافع والذكريات والرموز التي تؤثر فينا دون أن نشعر. بحسب فرويد، فإن هذا المستوى يتحكم في معظم سلوكياتنا رغم أننا نظن العكس.

* الوعي فوق الواعي (Superconscious أو Transpersonal): وهو المفهوم الذي تطور لاحقًا لدى مدارس مثل علم النفس الترانسبرسونالي، ويشير إلى حالات من الوعي المتعالي المرتبطة بالإلهام، الحدس والتجارب الروحية. تحدث عنه أبراهام ماسلو في إطار “الذروات الكونية” أو تجارب الانخطاف الذهني.

قوانين الوعي: بنية غير مرئية تحكم مساره.
رغم أن الوعي يبدو عشوائيًا، إلا أن علماء التنمية والوعي الذاتي تحدثوا عن قوانين تحكم تطوره. نذكر من أهمها:

* قانون الانتباه: ما تركز عليه ينمو. تركيز الإنسان على الخوف أو النقص يعمّق من وجوده، والعكس بالعكس.

* قانون الانعكاس (Law of Reflection): العالم الخارجي مرآة لما في الداخل. من يرى العالم قاسيًا، يعكس صراعه الداخلي.

* قانون التكرار: التجربة تُعاد حتى يتم التعلم منها. الوعي يتطور عبر التكرار لا عبر المصادفة.

* قانون الاهتزاز أو الذبذبة (Vibration Law): كل فكرة أو عاطفة تملك ترددًا. الوعي الأعلى مرتبط بترددات الامتنان، السلام والمحبة، بينما الوعي الأدنى مرتبط بالخوف، الغضب والذنب.

وقد صاغ ديفيد هاوكينز في كتابه الشهير Power vs. Force سلّمًا للوعي يبدأ من أدنى مستوى (العار) ويرتقي حتى (الاستنارة)، محددا ترددات طاقية لكل حالة.

الوعي في ضوء الدراسات الحديثة.
أثبتت دراسات جامعة ستانفورد وMIT أن الأشخاص الذين يمارسون التأمل واليقظة الذهنية (Mindfulness) تظهر لديهم تغيّرات في بنية الدماغ، وتحديدا في القشرة الجبهية الأمامية، مما يحسن من مستويات التركيز، التعاطف وصنع القرار.

كما أظهرت دراسة نشرها Journal of Consciousness Studies أن الأشخاص ذوي “الوعي الميتا–إدراكي” Metacognition – أي القدرة على التفكير في التفكير – يتمتعون بمرونة نفسية أعلى وقدرة على اتخاذ قرارات أخلاقية أكثر نضجا.

نحو وعي جديد: دعوة للتجاوز.
نحن بحاجة إلى تربية وعي لا تلقين معرفة. فالعصر الحديث لا يفتقر إلى المعلومات بل إلى وعي يستبطنها، يعقلها ويحوّلها إلى بوصلة. إن أزمة الإنسان المعاصر ليست فقط في السياسة أو الاقتصاد، بل في افتقاده لوعي متكامل بذاته وبدوره في هذا الكون.

كما قال كارل يونغ: “إلى أن تعي ما يكمن في اللاوعي، فسوف يوجّه حياتك وتُسميه قدَرًا”.

فلنصعد درجات الوعي.. لا لنصبح مثاليين، بل لنصبح أكثر إنسانية.

 

 

 

قم بكتابة اول تعليق

اترك رد