العلاقات الإنسانية ورصيدها المستهلك: حين ينهار العطاء وتخبو الروح

موند بريس./ بقلم: دة. سعاد السبع

في عمق التجربة الإنسانية، تشكّل العلاقات بين الأفراد نسيجا دقيقا، تتقاطع فيه الأحاسيس والتفاعلات والتوقعات والعطاءات المتبادلة. غير أن هذا النسيج، مهما بدا متينا، يخضع لمنطق استهلاكي صامت، يتمثل في ما يمكن تسميته بـ”الرصيد العاطفي والإنساني”، وهو رصيد قد يتآكل دون أن يلحظ صاحبه ذلك، حتى تنهار النفس تحت وطأة الخيبات المتكررة، ويضمر العطاء، ويضمحل الإقبال على الحياة.

 

الرصيد الإنساني: مفهوم خفي لكنه حاسم
يشير علماء النفس الاجتماعي إلى أن كل علاقة إنسانية تُبنى على توازن دقيق بين الأخذ والعطاء، بين ما يقدمه الفرد من دعم وحنو وتفهم، وبين ما يتلقاه من الطرف الآخر. وفي هذا السياق، يشبه البعض هذا التوازن بـ”الرصيد المصرفي”؛ فكل مبادرة طيبة، وكل لحظة إنصات، وكل تعاطف صادق، تُودَع في حساب العلاقة، بينما تُسحب منه مشاعر الخذلان والإهمال والتجاهل والجحود.

حين يتكرر السحب دون تغذية هذا الرصيد، يصبح الفرد عُرضة لما يُعرف بـالإنهاك العاطفي، وهو مفهوم نفسي، يرتبط بتجربة الإنهاك الناتج عن استنزاف الطاقات في علاقات غير متوازنة، لا تُقدِّر الجهد المبذول، ولا ترد الجميل بمثله.

 

من الإنهاك إلى التآكل النفسي: أبعاد مقلقة
يُعرّف الإنهاك العاطفي في علم النفس الإكلينيكي بأنه حالة من الإجهاد النفسي المستمر، تتجلى في مشاعر الإحباط والتعب واللامبالاة، والعزوف عن التفاعل مع المحيط. وقد أثبتت دراسات حديثة أن الأشخاص الذين يستثمرون بكثافة في علاقاتهم، دون أن يلقوا تجاوبا مماثلا، يُظهرون معدلات أعلى من الاكتئاب والقلق واضطرابات النوم وفقدان المعنى.

بل إن تآكل الرصيد الإنساني قد يُفضي إلى تصلّب وجداني، حيث يتراجع الفرد عن مبادراته الإنسانية السابقة، ويُصبح أقل انفتاحا على الآخرين، بل وأشدّ حذرا في خوض علاقات جديدة، في نوع من الانسحاب الدفاعي الذاتي، الذي يُهدّد في النهاية تماسكه الاجتماعي، وفاعليته النفسية.

 

المقاربة السوسيولوجية: علاقات فقدت معناها
من منظور علم الاجتماع، فإن استهلاك الرصيد الإنساني لا يحدث من فراغ، بل هو انعكاس لمناخ اجتماعي عام، يتسم في كثير من الأحيان بالأنانية والفردانية وتسليع العلاقات. لقد أصبحت العديد من العلاقات، سواء الشخصية أو المهنية، محكومة بمنطق النفعيّة والمصلحة، وليس بمنطق المودة، أو التقدير المتبادل.

وقد حذّر المفكر الألماني زيغمونت باومان، في حديثه عن “الحداثة السائلة”، من تحوّل العلاقات إلى كيانات مؤقتة، سريعة الذوبان، لا جذور لها، ولا التزام. وفي هذا الإطار، يضحي الإنسان معرّضا لاستهلاك عاطفي مفرط، دون ضمانات للاستقرار النفسي، أو الاعتراف الرمزي.

 

هل من سبيل للترميم؟
الجواب العلمي لا يكمن في الانغلاق أو الانسحاب، بل في إعادة هندسة العلاقات وفق مبدأ الحدود النفسية، ووضع سقف معقول للعطاء، لا يتجاوز قدرة النفس على الاحتمال. كما يستدعي الأمر تعزيز الوعي الذاتي، والتمييز بين العلاقات، التي تُغني الوجدان، وتلك التي تُنهكه.

كما يدعو علماء النفس إلى ترسيخ مفهوم “العلاقة الصحية”، المبنية على الاحترام المتبادل والمسؤولية الشعورية والتغذية العاطفية المتوازنة.
إن بناء علاقات مستدامة، حقيقية وغير مشروطة، يحتاج إلى بذل، لكن أيضا إلى وعي ناضج، يحمي الذات من الإفراط.

الرصيد الإنساني ليس مجرد مجاز، بل هو واقع نفسي واجتماعي، يتجلى في كل تفاعل، ويُحدِّد مسار الصحة النفسية والعلاقات الاجتماعية على حدّ سواء. فإما أن نُغذيه بماء التقدير والاهتمام، أو نستهلكه حتى آخر قطرة، فنجد أنفسنا فرادى، مُنهكين، وجافين من الداخل. وحين تنضب النفس، لا يعود في القلب ما يُهدى، ولا في اليد ما يُعطى.

 

 

 

قم بكتابة اول تعليق

اترك رد