موند بريس / بقلم / ذة.سعاد السبع
في زحمة هذا العصر المتسارع، حيث تتداخل المسؤوليات، وتتناسل الضغوط، تتسلّل إلى النفوس علة خفية، لا تُرى بالأعين، لكنها تنخر الداخل بصمت قاتل. إنها الاحتراق النفسي الصامت، ذاك الاستنزاف الوجداني والمعرفي، الذي يفتك بصاحبه من غير ضجيج، فيغدو المرء هشّا، وهو في ظاهر الأمر صامد، تائها رغم امتلائه بالمهمات، منهكا رغم قلة الشكوى.
▌ما هو الاحتراق النفسي الصامت؟
في علم النفس، يُعرف الاحتراق النفسي عموما بأنه حالة من الإجهاد المزمن، الناتج عن ضغوط طويلة الأمد، لا سيما في بيئات العمل والعلاقات الاجتماعية. أما “الصامت” منه، فهو وجهه الأخطر، والأشد خفاء، إذ يتخفّى خلف أقنعة من القوة والصبر والإنجاز. فالمصاب لا يبوح، ولا يشتكي، بل يختار الصمت، ويواصل الركض، بينما يتآكل داخله شيئا فشيئا.
▌أعراض لا تُعلن عن نفسها بسهولة
يتميز الاحتراق النفسي الصامت بأعراض خافتة، لكنها قاتلة من بينها:
ـ الانفصال العاطفي: حيث يفقد المرء شغفه بالأشياء، التي كانت تثير اهتمامه سابقا.
ـ الإرهاق الوجودي: إحساس دائم بالتعب الذهني والعقلي، غير مفسّر بأسباب عضوية.
ـ فراغ داخلي مزمن: يولد شعورا غامضا باللاجدوى، وكأن كل ما ينجزه المرء لا يحمل معنى.
ـ العزلة الاجتماعية الاختيارية: وتتمثل في الانسحاب التدريجي من التفاعلات الإنسانية دون تفسير.
▌من هم الأكثر عرضة؟
وفقا لعدد من الدراسات النفسية الحديثة، فإن الفئات الأكثر عرضة للاحتراق النفسي الصامت هم:
* النساء العاملات، خاصة ممن يُجدن الموازنة بين مسؤوليات العمل والأسرة.
* المهنيون في بعض القطاعات: كالأساتذة والممرضين والأخصائيين النفسيين أنفسهم.
* الأشخاص الكماليون، الذين لا يرضون عن أنفسهم إلا بالكمال.
* الأفراد الصامتون بطبعهم، الذين لا يطلبون المساعدة، أو يبوحون بما يعانونه.
▌الجذور النفسية العميقة
يشير علم النفس الإكلينيكي إلى أن الاحتراق الصامت لا ينشأ من فراغ، بل يتغذى من:
* الضغوط الاجتماعية المقنّعة: مثل ثقافة “التفاني بلا مقابل”، وتمجيد الإرهاق كدليل نجاح.
* ضعف مهارات التكيف: كعدم القدرة على قول “لا”، وتحديد الأولويات، أو وضع حدود صحية.
* الجروح النفسية القديمة: كالشعور بعدم الاستحقاق، أو الخوف المزمن من الفشل، أو الرفض.
▌لماذا الصمت؟
لأن البوح يُفسّر ضعفا في مجتمع، لا يتسامح مع الانهيار، ولأن كثيرين ممن يعانون يملكون من الوعي ما يكفي لتشخيص حالهم، لكن لا يملكون من الشجاعة ما يكفي للاعتراف به، أو من الدعم ما يكفي لطلب النجدة.
▌ما العمل؟
الوقاية من الاحتراق النفسي الصامت تبدأ بـالوعي. أن نصغي إلى ذواتنا كما نصغي للآخرين، وأن نتحرر من ثقافة “التحمُّل الأبدي”. فطلب المساعدة ليس عيبا، والاعتراف بالإنهاك ليس ضعفا، بل هو أول الطريق نحو التعافي.
ومن هنا، يوصي علماء النفس بـ:
* تدريب الأفراد على الوعي الذاتي، والانتباه إلى مؤشرات الإرهاق المبكرة.
* إدماج برامج العناية بالصحة النفسية في بيئات العمل والمدارس.
* كسر وصمة المرض النفسي، وإشاعة ثقافة الرحمة مع الذات.
الاحتراق النفسي الصامت لا يصرخ، لكنه يستهلك؛ لا يظهر كجرح، لكنه ينزف من الداخل. هو العدو الصامت في زمن السرعة، ودواؤه الأول أن نعترف بوجوده، وأن نُعيد ترتيب أولوياتنا، ليس على أساس ما يُطلب منا، بل على أساس ما تحتاجه أرواحنا, كي تبقى حيّة، نابضة ومتّقدة.
قم بكتابة اول تعليق