د.يونس صبار
باحث في القانون العام والعلوم السياسية
المبحث الثالث : المحكمة الدستورية بالمغرب
لقد نص دستور الفاتح من يوليوز 2011 في مادته التاسعة و العشرين بعد المائة على إحداث محكمة دستورية لتحل محل المجلس الدستوري. و في هدا المبحث سنحاول التطرق إلى تشكيل المحكمة الدستورية في المغرب وشروط التعيين فيها (مطلب أول) ودلك بإقامة مقارنة مع بعض التجارب المقارنة ومن ثم إلى موضوع الإختصاصات المسندة إليها من خلال فصول الدستور والقانون التنظيمي 066-13
المطلب الأول : تشكيل المحكمة الدستورية بالمغرب وشروط التعيين وحالات التنافي
أولا : تشكيل المحكمة الدستورية
تتألف المحكمة الدستورية في المغرب وفق دستور 2011 و القانون التنظيمي 066-13 من اثني عشر عضوا يعينون لتسع سنوات غير قابلة للتجديد من بين الشخصيات المتوفرة على تكوين عال في مجال القانون وعلى كفاءة قضائية أو فقهية أو إدارية و الدين مارسوا مهنتهم لمدة تفوق خمس عشر سنة (15) والمشهد لهم بالتجرد والنزاهة ويتوزع هؤلاء الأعضاء كما يلي :
ستة أعضاء (6) يعينون بظهير من بينهم عضو يقترحه الأمين العام للمجلس العلمي الأعلى
ثلاثة (3) أعضاء ينتخبون من قبل مجلس النواب
ثلاثة (3) أعضاء ينتخبون من قبل مجلس المستشارين
ويعين الملك رئيس المحكمة الدستورية بظهير من بين الأعضاء الدين تتألف منهم.
كما أن انتخاب الأعضاء الستة من مجلسي البرلمان يتم عن طريق الاقتراع السري و بأغلبية ثلثي الأعضاء الدين يتألف منهم كل مجلس. ويلا حظ أن الدستور الجديد حاول أن يكون أعضاء المحكمة الدستورية المنتخبون من قبل مجلسي البرلمان أكثر استقلالية بحيث أنه اشترط انتخابهم بأغلبية 2/3 الأعضاء بالنسبة لكل مجلس.
فهده الأغلبية تتطلب توافقا بين التيارات السياسية حتى لا يخضع أعضاء المحكمة الدستورية للتسييس وهو ما لم يكن في ظل المجلس الدستوري بحيث كان رئيسي مجلسي البرلمان يقومان باختيار الستة أعضاء مما يعني إمكانية تسييس عمل أعضاء هده الهيئة لصالح تيار سياسي أو آخر.
وما يمكن ملاحظته في هدا الصدد هو أن المشرع الدستوري المغربي قد حاكى نظيره الإسباني فيما يتعلق بانتخاب أعضاء هيئة القضاء الدستوري في اتجاه تمتيع أعضاء المحكمة الدستورية بالاستقلال الكافي لممارسة المهام المنوطة بهم.
وتطبيقا لمقتضيات الفقرة الثالثة من الفصل 130 من الدستور يتم كل ثلاث سنوات تجديد ثلث كل فئة من أعضاء المحكمة الدستورية عند أول تعيين لأعضاء المحكمة الدستورية يعين ثلث أعضاء كل فئة لمدة ثلاث سنوات و الثلث الثاني لمدة ست سنوات والثلث الأخير لمدة تسع سنوات.
ثانيا : شروط التعيين
إن الدستور المغربي الجديد قد جاء بمستجد جديد فيما يتعلق بشروط تعيين أعضاء المحكمة الدستورية على عكس دستور 1996.فقد اشترطت الوثيقة الدستورية الجديدة مجموعة من الشروط الهامة التي من شأنها الرقي بمستوى القضاء الدستوري ببلادنا وهي كالأتي:
التكوين العالي في مجال القانون : شهادة في القانون أو ما يعادلها؛
الكفاءة القضائية أو الفقهية أو الإدارية؛
ممارسة المهنة لمدة تفوق 15 سنة؛
التوفر على التجرد والنزاهة المشهود بها.
وبخصوص هده الشروط التي جاء بها دستور 2011 فيمكن استنتاج ما يلي :
• تجاوز مسألة عدم توفر الخبرة التي كانت تطبع مسألة التعيين في المجلس الدستوري المأخوذ من تجربة المجلس الدستوري الفرنسي؛
• ضرورة توافر الخبرة القانونية والقضائية أسوة بالمشرعين الإسباني و المصري اللذان أقرا دلك؛
• ضرورة توفر الخبرة المهنية في أعضاء المحكمة الدستورية ودلك في محاكاة تامة للنموذج الإسباني (15) سنة.
إن شرط الخبرة والممارسة الذي تم اشتراطه في تعيين أعضاء المحكمة الدستورية في المغرب جاء ليملأ الفراغ الذي كان يعتري عمل المجلس الدستوري المغربي بسبب مسألة عدم التخصص التي كانت تطبع عمل وأعضاء الهيئة السابقة.
ثالثا : حالات التنافي مع عضو بالمحكمة الدستورية
لقد نص القانون التنظيمي 13-066 المتعلق بالمحكمة الدستورية على مجموعة من المهام التي لا يجوز الجمع بينها وبين عضوية المحكمة الدستورية و دلك في المادتين الخامسة(5) و السادسة(6) منه وهي :
عضو بالحكومة
عضو بمجلس النواب
عضو بمجلس المستشارين
عضو بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية
عضو بالمجلس الاقتصادي و الاجتماعي و البيئي
عضو بهيئة و مؤسسة من المؤسسات والهيئات المنصوص عليها في الباب الثاني عشر من الدستور
ممارسة أي وظيفة عامة أو مهمة عامة انتخابية أو شغل منصب مقابل أجر في شركة تجارية
مزاولة مهام يؤدى عنها أجر من قبل دولة أجنبية أو منظمة دولية غير حكومية
كما لا يجوز الجمع بين عضوية المحكمة الدستورية وممارسة أي مهنة حرة إذ يجب على كل عضو يمارس مهنة حرة تعليق هده الممارسة خلال مدة عضويته.
من خلال ما سبق نستنتج أن الدستور الجديد جاء بمستجدات سواء من ناحية تشكيل المحكمة الدستورية أو شروط تعيين أعضائها وهو ما يدفعنا للتساؤل هل من مستجد على مستوى الإختصاصات؟
المطلب الثاني : اختصاصات المحكمة الدستورية في المغرب
إن اختصاصات المحكمة الدستورية في المغرب ينظمها إلى جانب الدستور القانون التنظيمي 13-066 وهي نوعين من الإختصاصات : اختصاصات وجوبية (رقابة إلزامية) و اختصاصات اختيارية (رقابة اختيارية).
الاختصاصات الوجوبية :
فيما يخص الاختصاصات الوجوبية للمحكمة الدستورية أو ما يصطلح عليه بالرقابة الإجبارية لدستورية القوانين فإن القوانين التنظيمية تحال وجوبا على المحكمة الدستورية ودلك قبل إصدار الأمر بتنفيذها، هدا بالإضافة إلى إجبارية إحالة الأنظمة الداخلية لمجلسي ا لبرلمان قبل الشروع في تطبيقها ودلك للبت في مدى مطابقتها،ودلك لاعتبار الأهمية التي تحظى بها القوانين التنظيمية و الأنظمة الداخلية للبرلمان باعتبارهما جزء من الكتلة الدستورية ،الشيء الذي يظهر إجبارية إحالتها على المحكمة الدستورية للبت في مسألة دستوريتها من عدمه قبل إصدار الأمر بتنفيذها.
الإختصاصات الإختيارية:
تمارس المحكمة الدستورية رقابة اختيارية على دستورية القوانين حينما تنظر في مدى مطابقة مشاريع ومقترحات القوانين العادية و الإتفاقيات الدولية قبل إصدار الأمر بتنفيذها والمصادقة عليها ودلك عندما يطلب منها دلك من قبل الملك أو رئيس الحكومة أو خمس أعضاء مجلس النواب أو أربعين عضوا من أعضاء مجلس المستشارين.
من لهم حق إحالة القوانين إلى المحكمة الدستورية؟
القوانين التنظيمة : رئيس الحكومة
الأنظمة الداخلية للبرلمان : رئيس مجلس النواب؛رئيس مجلس المستشارين
الأنظمة الداخلية للمجالس المنظمة بموجب قوانين تنظيمية: رئيس كل مجلس
القوانين: الملك؛رئيس الحكومة؛رئيس مجلس النواب؛رئيس مجلس المستشارين؛خمس أعضاء مجلس النواب؛أربعين عضوا من أعضاء مجلس المستشارين.
الإلتزامات الدولية : الملك؛رئيس الحكومة؛رئيس مجلس النواب؛رئيس مجلس المستشارين؛سدس أعضاء مجلس النواب؛ربع أعضاء مجلس المستشارين.
بالإضافة إلى الإختصاصات السالف ذكرها فإن الدستور الجديد أعطى اختصاصا جديدا للمحكمة الدستورية يتمثل في حق الأفراد الدفع بعدم الدستورية بناءا على مقتضيات الفصل 133 .
حق الأفراد في الدفع بعدم الدستورية في ظل الفصل 133 من الدستور:
إن تحليل الفصل 133 من زاوية حقوق الإنسان يمكن من استخلاص أن المشرع الدستوري حدد للمحكمة الدستورية مهمة تتجاوز مجرد حماية النظام الدستوري الموضوعي ودلك عبر ادراج المسرع الدستوري لأول مرة آليات تمكن من حماية الحقوق الفردية الأساسية من طرف المحكمة عبر تمكين الأطراف في حالة نزاع قضائي من الولوج إلى المحكمة الدستورية في حال الدفع بعدم دستورية إدا كان القانون الدي سيطبق في النزاع يمس بالحقوق وبالحريات التي يضمنها الدستور وهكدا يمكن تحديد ثلاثة أهداف محورية يمكن تحقيقها من خلال الدفع بعدم الدستورية:
o إعطاء حق جديد للمتقاضي بتمكينه من الإعتداد بحقوقه المضمونة دستوريا
o تصفية النظام القانوني من المقتضيات غير الدستورية
o تأمين سمو الدستور في النظام المعياري الداخلي
كما أن طريقة الدفع التي جاء بها دستور2011 تمكن من ظاهرة إفلات القوانين من الرقابة على دستورية القوانين والتي يمكنها أن تشكل تهديدا حقيقيا على الحقوق والحريات خاصة مع اعتماد الإحالة الإختيارية للقوانين العادية على المحكمة الدستورية للبت في دستوريتها والتي تؤدي في كثير من الأحيان إلى اعتماد قوانين معيبة دستوريا يمكن أن تؤدي إلى انتهاك حقوق وحريات الأفراد.
وتبقى تقنية منح الأفراد الحق في الدفع بعدم الدستورية بمثابة قيد ورقابة لاحقة يمكن من خلالها استدراك فحص مدى دستورية هده القوانين وهي مسألة دات فائدة وإيجابية بالغتين على المنظومة التشريعية بصفة عامة حيث يتم تنقيتها من أوجه الإختلالات و الشوائب التي تشوبها والتي يكون لها تأثير سلبي على الحقوق والحريات.
منطوق الفصل 133 وتكريس حق الأفراد في الدفع بعدم الدستورية
إن استنطاق مقتضيات الفصل 133 من دستور 2011،تهدينا إلى استكشاف توجه إرادة المشرع الدستوري نحو تكريس الرقابة اللاحقة على دستورية القوانين بعدما كانت الدساتير السابقة قد تبنت الرقابة السابقة من خلال المجلس الدستوري، وعليه تم اعتماد تقنية الدفع الفرعي عن طريق منح الأفراد الحق في الدفع بعدم الدستورية، وهدا المنحى يشكل توجه جديد في القضاء الدستوري المغربي ينسجم مع تطور النظم المقارنة التي أضحت تجمع بين الرقابة السابقة والرقابة اللاحقة في سبيل تمكين القضاء الدستوري من مختلف الآليات التي من شأنها حماية حقوق وحريات الأفراد، وهي مسألة إيجابية قد تساهم إلى حد كبير في تجاوز اختلالات وثغرات الرقابة السابقة التي تعتمد على مركزية الرقابة وحصر الدفع بعدم في المؤسسات الرسمية.
فاعتماد تسمية المحكمة الدستورية بدل المجلس الدستوري يعد النموذج الأكثر أهلية لحماية هده الحقوق إدا ما قورن بنموذج المجلس الدستوري كون هدا الأخير يعتمد رقابة قبلية وفق مسطرة لا تسمح للأفراد بتحريكها لكن رغم دلك فإن الرقابة الدستورية بحصر المعنى أثبتت قدرتها على إنجاز وظيفة حماية وصيانة حقوق وحريات المواطنين.
لقد كان المشرع الدستوري المغربي واضحا حينما جعل من مسألة فحص الدستورية حكرا على المحكمة الدستورية دون القضاء العادي هدا الأخير يلعب دور الوساطة إن صح التعبير بين المواطن والمحكمة الدستورية،فعندما يكون هناك نزاع بين طرفين وتمسك أحد الأطراف بعدم دستورية القانون المراد تطبيقه عليه يتم توقيف البت في الدعوى ونقل الدعوى الدستورية الفرعية إلى المحكمة الدستورية للبت فيها.
أي بمعنى أن المحاكم تمارس هدا الحق عندما يكون أمامها نزاع ويطالب أحد طرفي النزاع تطبيق قانون ما، فيطعن الطرف الآخر بعدم دستورية هدا القانون ويطلق على هده الطريقة الدفع الفرعي ولا يحق لأي شخص الطعن بعدم دستورية القوانين بصورة أصلية أي إدا رأى شخص أن قانونا مخالف للدستور فلا يحق له أن يتقدم للمحكمة للطعن بهدا القانون، بل يجب أن يكون القانون يطبق في على الشخص في دعوى قضائية، فيبادر هدا الشخص إلى الطعن بعدم دستورية هدا القانون.وفي هده الحالة يكون اختصاص المحكمة بالتأكد من دستورية القانون قد جاء متفرعا من الدعوى المنظورة أمامها،وعلى المحكمة النظر في صحة هدا الطعن،فإذا تأكد لها أن القانون غير دستوري ألغت المحكمة النص الغير دستوري.
إن تكريس مبدأ جواز حق الأفراد القيام بالطعن في دستورية قانون معين عن طريق الدفع، معناه أن هدا الحق حتى ولئن كان مكانه الطبيعي أمام المحاكم العادية والمختصة، فإن أمر البت فيه يعود للمحكمة الدستورية دون سواها وفقا لقراءة مضمون الفصل 133.
خاتمة
وخلاصة ما ذكر اعلاه ان دساتير بالمملكة المغربية منذ 1962 ظلت تسند مهمة الرقابة على دستورية القوانين الى مؤسسة واحدة –الغرفة الدستورية والمجلس الدستوري والمحكمة الدستورية- ، كما ان هذه المؤسسة التي تكلف دستوريا برقابة دستورية القوانين تعتبر جهازا مختلطا. فهي سياسية لأن الملك له حق تعيين بعض أعضائها ، كما يحق ذلك أيضا لرئيس البرلمان ويمكن اختيار أعضائها خارج أسلاك القضاء ، وبإمكانها أن تضم شخصيات سياسية نظرا لصفتهم السياسية وهي قضائية لأنها تشتغل حسب إجراءات قضائية. كما أن رقابة دستورية القوانين في المغرب عرفت تطورا كبيرا من انتقالنا من الغرفة الدستورية إلى المجلس الدستوري الذي ثم توسيع اختصاصاته مقارنة مع الغرفة دستورية رغم أنه لم يكن له تأثير في كبير مجال الرقابة الدستورية وذلك نتيجة عدة قيود سياسية تتعلق ببنية النظام السياسي المغربي وأيضا عوامل تتعلق بتكوين القاضي الدستوري,ليصل بعد ذالك إلى إنشاء محكمة دستورية ترقى إلى حماية حقوق وحريات الأفراد التي كانت غائبة في ظل تاريخ القضاء الدستوري المغربي قبل 2011 .
قم بكتابة اول تعليق