تطور القضاء الدستوري بالمغرب /الجزء الثاني

د.يونس صبار

باحث في القانون العام والعلوم السياسية

المطلب الثاني : اختصاصات المجلس الدستوري
إزاء محدودية اختصاصات الغرفة الدستورية فقد أصبح المجلس الدستوري يمارس سلطات أوسع واشمل من الغرفة الدستورية.
أولا: في مجال القانون التنظيمي.
إن سن القوانين التنظيمية يتم استنادا إلى نص دستوري لكونها توصف بالقوانين المكملة للدستور ، وهي تخضع وجوبا للرقابة الدستورية . هذه القوانين التنظيمية ، لا تختلف عن القوانين العادية ، إلا من حيث الشكل كمعيار يميزها ، كونها تخضع إلى قيود إجرائية غير تلك المعمول بها في مجال إصدار القوانين العادية ، وتتمتع بحماية أكبر من القوانين العادية تتخذ شكل حماية قبلية ، وحماية بعدية.
ونظرا للأهمية التي تحتلها هذه القوانين التنظيمية فقد كان من الضروري إحاطتها بتدابير حمائية تضمن مطابقتها للدستور ، لذلك يجب إخضاعها إلزاما لرقابة وقائية سابقة على دخول القانون حيز النفاذ والتطبيق.
والدستور المغربي لسنة 1996 نص على وجوب إخضاع القوانين التنظيمية لرقابة المجلس الدستوري إذ تنص الفقرة الأخيرة من الفصل 58 على ” لا يمكن إصدار الأمر بتنفيذ القوانين التنظيمية إلا بعد أن يصرح المجلس الدستوري بمطابقتها للدستور” ، وكذا الفقرة الثانية من الفصل 81 ” تحال القوانين التنظيمية قبل إصدار الأمر بتنفيذها …. إلى المجلس الدستوري ليبث في مطابقتها للدستور، وهذه القوانين التنظيمية كانت محددة في سبعة في دستور 1992 و ثمانية في دستور 1996.
والمجلس الدستوري في مجال القوانين التنظيمية لم يصدر عنه سوى 29 قرار مابين فقد تصدرتها تلك التي صدرت بشأن القانون التنظيمي الخاص بمجلسي البرلمان سبعة بالنسبة للقانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب (1997/124- 2002/475- 2002/477 – 2007/630-2007/660- 2008/700- 2011/817)وسبعة بالنسبة للقانون التنظيمي الخاص بمجلس المستشارين (1997/125-2002/476-2002/478- 2003/505-2007/661-2008/701- 2011/820) ثم القانون التنظيمي الخاصة بقانون المالية بثلاث قرارات(1995/94-1998/250- 2000/389)وأيضا القانون التنظيمي الخاص بالمجلس الدستوري بثلاث قرارات(1998/245-2007/659- 2008/702)وبعدهما القانون التنظيمي الخاص بتسيير لجان تقصي الحقائق بقرارين(1995/92-2001/457)، إلى جانب القانون التنظيمي الخاص بالمحكمة العليا بقرارين(2004/583- 2008/698)، فالقانون التنظيمي المتعلق بالتعيين بالمناصب العليا بقرارين (2012/854- 2012/862) ، وأما القوانين التنظيمية التي اتخذ فيها المجلس الدستوري قرار واضح فهي: القانون التنظيمي المتعلق بانتخاب أعضاء مجلس الجماعات(2011/821)، و القانون التنظيمي المتعلق بالأحزاب السياسية(818/2011)، والقانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الاقتصادي والاجتماعي(2010/786) .في حين نجد المجلس الدستوري الفرنسي تم اللجوء إليه في مجال القوانين التنظيمية واحد وستين مرة ما بين 1958 و1991 وهي نسبة جد ضخمة مقارنة مع حصيلة المجلس الدستوري المغربي في هذا الصدد.
وفي معرض بته في مطابقة القانون التنظيمي المتعلق بالتعيين في المناصب العليا اصدر المجلس الدستوري القرار رقم 854.12 صادر في شعبان 1377 (24 فبراير 1958 ) استوقف المجلس صيغة مناقضة للدستور ويتعلق الأمر بالبند 2 من المادة الثانية وتتمحور حول مسطرة التعيين في هذه الوظائف السامية . فالقانون التنظيمي المعروض على نظر المجلس الدستوري استعمل صيغتين مختلفتين هما : “يصادق عليه في المجلس الوزاري ” و “يصادق على تعيينهم في مجلس الحكومة”. في رأي قضاة المجلس الدستوري، لم يقم الدستور “بأي تمييز في مسطرة وشكل تعيين المسؤولين عن المؤسسات والمقاولات العمومية الإستراتيجية التي يتم التعيين فيها في المجلس الوزاري ، كما لم يقم أيضا أي تمييز في كيفية وشكل تعيين المسؤولين عن باقي المؤسسات والمقاولات العمومية الذي يتم في مجلس الحكومة”. إذن مادامت الوثيقة الدستورية سوت بين الصنفين معا ، فلا مجال لأي اجتهاد مع وضوح النص.
ثانيا : مراقبة النظام الداخلي للبرلمان.
تعتبر مراقبة الأنظمة الداخلية لمجلسي البرلمان غاية في الأهمية بالنظر للدور الذي تلعبه هذه الأنظمة ، فهي تعتبر بمثابة أداة التحرير المؤسساتي للمجالس ولهذا السبب فكر واضعو الدستور في إخضاعها لمراقبة إلزامية ، وهذا ما جرى به العمل في النظام المغربي حيث تم التأكيد وبصفة إلزامية على أن الأنظمة الداخلية لمجلسي البرلمان لا يجوز العمل بها إلا بعد أن يصرح المجلس الدستوري بمطابقتها لأحكام الدستور. الفصلين 51 و56 من دستور 4 شتنبر 1992 والفصل 42 و الفصل 79 الفقرة الثانية فيما يتعلق بدستور 1996.
إلا أن الدستور المغربي لم يتبن مبدأ السيادة المطلقة للمجلس في مجال إصدار نظامه الداخلي فقد نص الفصل 44 على أن يضع كل من المجلسين نظامه الداخلي ويقره بالتصويت ، ولكن لا يجوز العمل به إلا بعد أن يصرح المجلس الدستوري بمطابقته لأحكام الدستور ، والملاحظة الجديرة بالذكر هنا هي أن هذا الإلحاح لا يجد له مثيلا في الدستور الفرنسي حيث أن المتأمل لدستور 1958 يجد أنه ينص على الرقابة الاختيارية التي لم تصبح إجبارية إلا بموجب الصياغة النهائية للفصل 61 الذي ينص على أن الأنظمة الداخلية للمجالس البرلمانية تعرض على المجلس الدستوري ليبث في مطابقتها للدستور قبل تطبيقها ، وإذا ما تم التصريح بمخالفة مقتضيات من النظام الداخلي للدستور ، فعلى المجلس المعني إعادة صياغته نظامه من جديد لمراقبة المجلس وإلا فالنتيجة هي الاكتفاء بتطبيق المقتضيات المصرح بدستوريتها ، ولا يعمل بها إلا بعد إدخال تعديلات عليها بما يتطابق مع النصوص التي تعلوا النظام الداخلي منزلة.
وفي إطار الرقابة على دستورية النظام الداخلي للبرلمان أصدر المجلس الدستوري مجموعة من القرارات، تسع قرارات بالنسبة للنظام الداخلي لمجلس النواب (1995/52 – 1995/55 – 1995/82 – 1995/87 – 1995/87 -1998/212 – 2004/561- 2004/570 -2012/829 – 2012/838 ) ، أما القرارات المتعلقة بالنظام الداخلي لمجلس المستشارين فهي خمس قرارات(213/1998- 228/1998- 405/2000- 456/2001 -563/2004)نذكر منها :
ففي تاريخ 3 يناير1995 صرح القاضي الدستوري من خلال القرار رقم 95-52 بأن ما تضمنته المادة 39 من النظام الداخلي لمجلس النواب المعروض عليه بتاريخ 7 دجنبر 1994 مخالف للدستور, في تخويله لمكتب مجلس النواب صلاحية وضع مقترح قانون يتعلق بالنظام الأساسي الخاص بموظفي المصالح الإدارية للمجلس أو مقترحات تعديله, معتبرا ,أن المقتضى المتضمن في هذه المادة حق خالص للوزير الأول ولأعضاء مجلس النواب بوصفهم نوابا ,دون مكتب مجلس النواب أو غير من الأجهزة النيابية. ولقد إعتبر القاضي الدستوري هذه المادة مخافة للدستور باستعماله لمنهج ” الاستنتاج بمفهوم المخالفة ” الذي يعني تطبيق حكم على حالة عكس الحكم المنصوص عليه لحالة معينة ,إما لاختلاف العلة فيهما ,أو لأن النص يفيد أن الحكم قاصر على الحالة المنصوص عليها بالذات ولا يتعداها إلى غيرها من الحالات الأخرى حتى ولو كانت من نفس النوع. بحيث أنه رأى أن الفصلان 51 و56 من دستور 1992 لا يبيحان صراحة حق التقدم باقتراح القوانين أو تعديلها إلا “للوزير الأول ” و”أعضاء مجلس النواب”, واستنتج بمفهوم المخالفة أن ممارسة هذا الحق لا تنطبق على مكتب مجلس النواب أو لجنه النيابية.
وفي إطار نفس القرار واعتمادا على الفصل 41 من دستور 1992 ,اعتبر القاضي الدستوري أن ما تضمنته المادة 70 من النظام الداخلي لمجلس النواب ,من السماح بصورة استثنائية للجان البرلمانية بعقد جلسات علنية,غير مطابق للدستور ,الذي أباح صراحة علنية جلسات مجلس النواب وحده , مستنتجا بالمخالفة أن اللجان البرلمانية لا يبيح لها الدستور صراحة عقد اجتماعاتها علنية.
وفي 4 فبراير 2012 صرح القاضي من خلال القرار829/2012 انما تضمنته الفقرة الأخيرة من المادة تاسعة بأن رئيس مجلس النواب يحيل حالات التنافي المذكورة فيها، بعد إشعار المكتب والمجلس، على المحكمة الدستورية مخالف للدستور، فيما يخص حالات التنافي المشار إليها في المواد 13 (الفقرة الثانية) و14 (الفقرة الثالثة) و15 و16 من القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب، وذلك لأن الفقرة الأولى من المادة 18 من نفس القانون التنظيمي تنص على أن التجريد من صفة نائب، الذي تعلنه المحكمة الدستورية، يكون بناء على طلب من مكتب مجلس النواب وليس بمجرد إشعاره .
وفي مراقبته للمادة العاشرة اقر القاضي الدستوري ان ما تضمنته هذه المادة في فقرتيها الثالثة والرابعة من أن طلب التجريد من العضوية، المتعلق بتخلي عضو مجلس النواب عن انتمائه السياسي الذي ترشح باسمه للانتخابات أو الفريق أو المجموعة النيابية التي ينتمي إليها، يحيله رئيس المجلس إلى المحكمة الدستورية في أجل أقصاه 15 يوما بعد إشعار المكتب والمجلس، وأن نفس المقتضيات المتعلقة بالمسطرة تسري أيضا على حالات التجريد المنصوص عليها في القانون التنظيمي لمجلس النواب والتي تدخل في اختصاصه، وتحدد الآجال المتعلقة بها بقرار معلل من لدن مكتب المجلس، غير مطابق للدستور، من جهة، لأن الاكتفاء بمجرد إشعار المكتب والمجلس قبل إحالة طلب التجريد إلى المحكمة الدستورية لا يفي وحده بما أقره الدستور في الفقرة الثانية من فصله 61 من وجوب تحديد النظام الداخلي لمجلس النواب للآجال والمسطرة التي على أساسها يحيل رئيس مجلس النواب على المحكمة الدستورية طلب التجريد من العضوية في الحالات المذكورة، وهي الأحكام التي يتوخى المشرع الدستوري من ضرورة التنصيص عليها توفير الضمانات الكفيلة بحماية حقوق العضو المعني بهذا التجريد، ومن جهة أخرى، لأن إحالة التجريد المذكور، في الحالات المنصوص عليها في المواد 11 و17 و18 من القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب، إلى المحكمة الدستورية، تكون بناء على طلب من مكتب المجلس وليس بمجرد إشعاره بذلك، وفقا لمقتضيات الفقرة الثانية من المادة 11 والفقرة الأولى من المادة 18 من نفس القانون التنظيمي .
أما فيما يخص مراقبة المجلس الدستوري للنظام الداخلي لمجلس المستشارين نذكر بعض القرارات مثل:
القرار رقم 98-212 : وفي مراقبة القاضي الدستوري للمادة 42 من النظام الداخلي لمجلس المستشارين المحال عليه بتاريخ 21 أبريل 1998 , استحضر القاضي الدستوري القرار رقم 95-52 ليستنج أن المادة 42 (الفقرة الأولى) من النظام الداخلي لمجلس المستشارين , هي عينها المادة 44 من النظام الداخلي لمجلس النواب المحال عليه في 7 دجنبر 1994, والتي سبق أن صرح بعدم مطابقتها للدستور فيما تضمنته من أن للنواب أن يكونوا فرقا إنطلاقا من الأحزاب الممثلة فيه ,وبالتالي فقد صرح القاضي الدستوري بالموقف نفسه من المادة 42 ,إذ لا شيء في الدستور يمنع صراحة حق المستشارين من تكوين فرق بينهم سواء كانوا منتمين إلى أحزاب أو غير منتمين إليها.
كما صرح أيضا في نفس القرار,أن ما جاء في المادة 43 (الفقرتان الأولى والثالثة ) من النظام الداخلي لمجلس المستشارين نفسه ,من منع للمستشارين من الانتقال من فريق إلى آخر بعد انتخاب رئيس مكتب مجلس المستشارين غير مطابق للدستور, الذي ليس فيه ما يقيد صراحة حرية المستشارين في الانتقال.
وللإشارة لقد استعمل القاضي الدستوري في مراقبته لهاتين المادتين 42 و 43 من القانون الداخلي لمجلس المستشارين “منهج المطابقة ” الذي يقضي أنه لا يعتبر ممنوعا إلا ما نص عليه صراحة في الدستور.
ثالثا : القوانين العادية.
إن الرقابة المتعلقة بالقوانين العادية لم تكن مقررة في دساتير ما قبل 1992، لذلك تعتبر مستجدات دستور 1992 و1996 حيث أجازت الفقرة الثالثة من الفصل 79 إحالة القوانين العادية من قبل أطراف محددين على سبيل الحصر على أنظار المجلس الدستوري ليبث في مطابقتها لمقتضيات الدستور، فالمجلس الدستوري هنا يمارس رقابة وقائية.
وينص دستور 1996 بالفقرة الثالثة من الفصل 81 على انه ” للملك أو الوزير الأول أو رئيس مجلس النواب أو رئيس مجلس المستشارين أو ربع أعضاء مجلس النواب أو ربع أعضاء مجلس المستشارين أن يحيلوا القوانين قبل إصدار الأمر بتنفيذها إلى المجلس الدستوري ليبث في مطابقتها ”
ويظهر من منطوق هذا الفصل إن المجلس يمارس هذا الاختصاص بشكل اختياري ومسبق وذلك عندما يحال عليه القانون العادي قبل إصدار العمل بتنفيذه .
وفي هذا الاتجاه أصدر المجلس الدستوري عشرة قرارات (1999/298 – 1994/37 – 2000/382 – 2000/386 – 2001/467 -2002/480 – 2002/481 – 2004/586 – 2005/606 – 2008/728 ) و من بينها نذكر القرار 94-37 المتعلق بالضريبة على الصحون المقعرة ، ففي يوليوز 1994 : طعن 95 عضوا من النواب بواسطة رسالة أحيلت على المجلس الدستوري , طبقا لمقتضيات الفصل 79 من دستور 1992 , حيث طالب الطاعنون فيها بالتصريح بعدم دستورية القانون رقم 93.33 , القاضي بالمصادقة على المرسوم بقانون رقم 388.91.2 الصادر في 13 أكتوبر 1992 الذي يؤسس لضريبة قدرها 5000 درهم على المحطات الاستقبالية الفضائية.وقد استجاب المجلس الدستوري لطلب النواب مصرحا بعدم دستورية القانون المطعون فيه. بحيث شكل هذا القرار نوعا من التجديد والتطوير شهدهما القضاء الدستوري المغربي ، خاصة وأن هذه المؤسسة ستبث لأول مرة في طلب من المعارضة بعد أن أعطيها حق اللجوء للمجلس الدستوري.
رابعا :المنازعات الانتخابية.
إن الميزة الأساسية التي تعرف بها المجالس والمحاكم الدستورية الإفريقية هي المنازعات الانتخابية ,ويبدو أن المجلس الدستوري المغربي لا يخرج عن هذا الوصف , بالنظر إلى عدد القرارات الصادرة عنه في هذا المجال منذ 1996.

قم بكتابة اول تعليق

اترك رد