النهضة الأوربية ودور العلم العربي(ابن رشد:نجاح عندهم وفشل عندنا)….. الجزء التالث

موند بريس : الدكتور مصطفى جفال أستاذ التعليم العالي بكلية العلوم القانونية
والإقتصادية والإجتماعية / الدار البيضاء

 

أسباب فشل فكرابن رشد لدينا ونجاحه في الغرب
نعم لقد سقط ابن رشد في بحر النسيان منذ القرن الثالث عشر في وسط طائفته العربية والإسلامية ، في حين أن فلسفة شهدت نجاح رائعا في أوربا المسيحية في هذا القرن نفسه (الثالث عشر بالذات). فلماذا فشل فكره في جهة ، ولقي نجاحا في جهة أخرى ؟ لقد علمنا تاريخ الفلسفة أو عودنا على أن نكتب تاريخ الفكر على هيئة مسارات خطية مستقيمة مع القيام بقفزات كبيرة مهلكة فوق رأس القرون ، بعض النطاقات الثقافية. أن الغربيين عندما يكتبون تاريخ الفلسفة فإنهم ينطلقون دائما من اليونان الكلاسيكية ، ثم بعد أرسطو (وأحيانا أفلاطون) فإنهم يتنقلون بسرعة إلى ديكارت وسبينوزا وليبنتز… وحدهم بعض المفكرين المعزولين يهتمون بالقرون الوسطى (نذكر من بينهم ايتيان غيلسون). بل ويتجرؤون حتى على دمج تاريخ اللاهوت ضمن الحركة العام للفكر.
ولكن مؤرخي العصور الوسطى ، والمهتمين بإبراز دورها الثقافي انتقموا لنفسهم بعض الشئ في سنوات 1950 – 1960. ولكن انتقامهم كان فقط لصالح أوربا اللاتينية الانغلو- ساكسونية. والمسيحية. وأما العالم العربي –الإسلامي فيظل مستبعدا من دائرة اهتمام مؤرخي القرون الوسطى في الغرب.
لا ريب في أن المنهج الفيلولوجي والتاريخوي والوضعي الذي ساد القرن التاسع عشر قد انتشل من بطن النسيان بعض النصوص العربية والإسلامية الكبرى. ولكن المستشرقين الذين طبقوا هذا المنهج على الثرات الإسلامي ابقوا الفلسفة العربية داخل مكانة ثانوية واعتبروها مجرد استعادة أو تقليد للنصوص الكبرى للفلسفة الإغريقية الكلاسيكية ، وأسهمت إلى حد كبير في تهديم الصرح اللاهوتي للقرون الوسطى وفي تهيئة النهضة العربية الحديثة حيث بدأ فكره يسهم من جديد في تحرير العرب من التركة الثقيلة التي خلفها الركود التاريخي الطويل. إن هذا المصير الذي آلت إليه فلسفة ابن رشد في الأندلس لا يلغي كيان العقلانية هو الخيار الإيديولوجي المناسب لحيوية الحضارة العربية الإسلامية التي كانت قادرة على معايشة الخصب الروحي والتنوع الإيديولوجي.
وإذا كان التأخر لقد ساهم “أرنيست رينان” ولزمن طويل ، في ترسيخ الفكرة القائلة إن الفلسفة العربية لا أصالة لها بالقياس إلى الفكر الإغريقي وإنها لم تأت بأي شئ جديد و ابن رشد نفسه لم ينج من تأثير الرؤية المغرضة والمنحازة التي طبقت عليه أيضا من قبل رينان نفسه. نقول ذلك ونحن نعلم أن هذه الرؤية تقيم بين شرق كسول عقيم وبين غرب ديناميكي ومنتج. نحن نعرف دور هذا التضاد في عملية النبذ أو الاستبعاد المتبادل بين الإسلام والغرب منذ أن كانت قد اندلعت حروب التحرير الوطنية في الخمسينيات.
وواقع الأمر أنه لا يوجد الآن إلا عدد قليل من الباحثين والمفكرين المسلمين الذين يستطيعون نقل هذه المناقشة إلى مستوى أعلى : أي إلى مستوى علم التاريخ الحديث ، أي التخلي عن المنهجيات والابستمولوجيات التقليدية التي لا تزال تهيمن على طريقة تدريس تاريخ الفكر في جامعاتنا ومؤسساتنا العلمية ، ثم تبني منهجيات وابستمولوجيات جديدة. في الواقع أننا لا نزال مشغولين بأعمال التحقيق النقدي للمخطوطات العربية المتبعثرة في شتى أنحاء العالم. وهذا عمل ضروري ولكنه لا يشكل إلا المرحلة الأولى من مراحل الدراسة. هذا من جهة. وأما من جهة أخرى فإن بعض الباحثين يحاولون استخراج أنظمة الفكر من مؤلفات بعض أقطاب التراث.
إن إضعاف السلطة المركزية ، ونبعثر مراكز السلطة بعد القرن الثالث عشر هما اللذان يفسران لنا سبب تقلص الآفاق الفكرية التي كان الفكر الفلسفي العربي قد فتحها أثناء العصر الكلاسيكي. فالآليات الاجتماعية- السياسية المرتبطة بالبنية القبلية أصبحت تستغل من قبل زعماء الطرق الصوفية كلم راحت مراكز السلطة الشغالة على غرار النموذج الإسلامي الكلاسيكي تضعف.
إن معرفتنا بالمجتمعات القروسطية الأوربية بدءا من القرن الثاني عشر أفضل بكثير من معرفتنا بالمجتمعات الإسلامية في الفترة نفسها. وأقصد بها الفترة التي أخذت تشهد انتشار ترجمان النصوص الفلسفية العربية إلى اللاتينية. فنحن نعرف أن الكتب المؤسسة للإنسانية العربية (أو الفكر العربي الكلاسيكي) كانت تقرأ وتدرس في جامعة بولونيا (بإيطاليا) وكذلك في جامعة السوربون واكسفورد . وعندئذ فرضت عقلانية ابن رشد نفسها من خلال التأويل الذي أعطاه عنها” سيجير دوبرابان” (م 1282) ومن المعلوم أنه ألح على نظرية الحقيقة المزدوجة : بمعنى أن نتائج العقل قد تكون متناقضة مع نتائج الوحي ، وعندئذ ينبغي أن نقبل بالاثنين معا. كان “إيتيان غيلسون “و”دومينيك شينو ” قد كشفا عن الاستخدام الغنى للإرث الفلسفي العربي من قبل المفكرين المسيحيين.
وهنا بالضبط كانت الأطر الاجتماعية للمعرفة في أوج تطورها (أو لنقل بداية إقلاعها) وذلك على عكس ما كان حاصلا في جنوب المتوسط والتيارات العقلانية في أوربا.
هناك بحوث استكشافية عديدة ينبغي القيام بما فيها وراء التقسيمات والتصنيفات والتحديدات الموروثة عن الماضي ، ولكن وراءها فإنه من المفيد أن تقدم هنا بعض التأملات حول إعادة تحيين (أو تنشيط) فكر ابن رشد في السياقات الإسلامية المعاصرة.

إعادة تحيين فكر ابن رشد من جديد

في عام 1978 كان الأب ج.ب. اتوتي قد نشر فهرسة كاملة من أعمال ابن رشد ، وتبين منها مدى اتساع هذه الأعمال والتقلبات التي أخاطت بنقلها وتبعثرها ليس فقط في المكان. وإنما أيضا في نسخها اللاتينية والعبرية وبالتالي فلا نزال بحاجة إلى بذل الجهود كبيرة لكي تصبح في متناول الجمهور العربي المعاصر. إن الأبحاث الجارية حاليا في هذا الاتجاه واعدة وتبشر بالخير. أقصد البحوث التي يقوم بها
ش. بيتروورت ، وجمال الدين العلوي ، وأوبير مارتان… (ch. Butter worth Aubert Martin)
ولكنها لا تزال غير كافية بالقياس إلى حجم المهام التي ينبغي إنجازها. إذا ما غضضنا الطرف عن المعارضة العنيفة التي يبدلها الأصوليون الحاليون اتجاه الفلسفة. وإذا ما اعتبرنا أن مسألة تدريس الفلسفة محلولة في بلدان الإسلام ، فإنه يبقى علينا أن نطرح هذا السؤال : ما هو الدور الذي يمكن أن يقوم به ابن رشد أو (الفلاسفة العرب الآخرون) اليوم ؟ ربما كان دورهم يتمثل في الحث على المزيد من التسامح والصرامة الفكرية والانفتاح الثقافي. أقصد حث الحركيين والأصوليين الحاليين على كل ذلك. هنا يكمن الدور الكبير الذي يمكن أن يلعبه فيلسوف في حجم ابن رشد فهؤلاء الحركيون الناشطون يغلبون النموذج الإسلامي على كل المكتسبات الفكرية الموصوفة “بالغربية” وبالتالي فهي مسفهة سلفا ، ولا قيمة لها من الناحية الابستمولوجية أو الأخلاقية والتشريعية أو التاريخية…
من المؤكد أن كل الفكر الذي يفتخر به العرب والمسلمون اليوم منغلق داخل الفضاء العقلي القروسطي. هذا يعني أن له قيمة تاريخية فقط ، ولا يمكنه أن يحل محل الفكر الحديث ومكتسباته.
وهذا الأمر فقط لا ينطبق على الفلاسفة ، وإنما أيضا على اللاهوتيين والفقهاء الذي تنتسب إليهم الحركات الأصولية وبقة أتباع الثورة الإسلامية. إن المطالبة بإعادة تطبيق الشريعة المبلورة في الفترة الواقعة بين القرنين السابع والعاشر للهجرة من قبل فقهاء منغلقين كليا داخل بديهيات الفكر القروسطي ومسلماته ومقولاته ، يعني أن الحداثة لم تغير أي شئ. بمعنى آخر فإن الحداثة هي عبارة عن لا مفكر فيه بالنسبة لذلك القطاع من الفكر الإسلامي الذي يتعاطى مثل هذه العلاقات مع الشريعة ، وبخاصة مع قانون الأحوال الشخصية.
إن هذا الموقف التقليدي منتشر جدا حاليا ، حتى في بلدان المغرب على الرغم من أنه دخلتها جوانب كثيرة من الحداثة. وبالنسبة لهذا الموقف المتحجر يتخذ فكر ابن رشد أهمية كبرى اليوم ، وبالتالي فقد أصبح من الضروري والملح أن نبعثه من جديد لمواجهة الأصوليون والمتزمتين من كل الأنواع والأصناف.
في الواقع أن ابن رشد قد خاض معركة حقيقية وخصبة على صعيد اللاهوت (أو علم الكلام) ، والفقه والتفسير ، وذالك عن طريق استخدام إمكانياته وكفاءاته الفلسفية. صحيح أن الأمر لم يصل به إلى حد الخروج من السياج العقائدي (أو الدوغمائي) الذي ينغلق داخله المؤمنون كلهم ، ولكنه حاول أن يلطف (أو يلين) من قواعد تفسير النصوص المقدسة ، وأن يجعل المناظرة حول الشؤون الدينية الأكثر حساسية أمرا ممكنا. نضرب على ذالك مثلا المناظرة التي دارت حول مكانة العقل بالقياس إلى الوحي. إن المناظرة التي تأبدت حتى يومنا هذا في مناقشة أطروحات الدكتوراه هي تقليد قديم العهد جدا.إنها تعود إلى تلك المناظرات الرائعة التي كانت تحصل بين المفكرين والعلماء في منطقة إيران-العراق بين القرنين التاسع والحادي عشر الميلادي. وتشهد على ذلك أعمال لأبي حيان التوحيدي (م.1023).
كان ابن رشد دحض أطروحات الغزالي في كتابين شهيرين هما : مناهج الأدلة ، وتهافت الفلاسفة. وهو إذ فعل ذلك كشف عن خصوبة الإشكاليات السائدة آنذاك، وعن مدى رسوخ تراث المناظرة الحرة في السياق الإسلامي الكلاسيكي. نعم لقد كان الناس يفكرون آنذاك ويستخدمون عقولهم.
أسس ابن رشد ما يسميه بعض الباحثين (عبادة العلم) وأعلن سيادة العقل التامة. وليست فكرة الحقيقية المزدوجة في الرشدية اللاتينية سوى تعبير متقدم عن استقلال ومشروعية الفلسفة طالبة الحقيقة عن الشريعة والإيمان الديني.
بكل ما تقدم جعل ابن رشد من فلسفته التعبير النظري عن أيديولوجيا التنوير الإسلامي من جهة ، وإيديولوجيا البورجوازية الصاعدة في أوربا من جهة أخرى. ولقد كانت نكبته عام 1194 على الرغم من العفو عنه بعد أربع سنوات من محاكمته ونفيه إيذانا ببدء انطفاء مشعل التنوير في دنيا الإسلام. لقد كان الاتجاه العام في نهاية القرن الثاني عشر يحمل معه تزايد النفوذ وفوضى الإقطاعيين ، وتهديدا أشد من قبل الفرنجة للحكم الإسلامي وحاجة السلطة المركزية إلى مسايرة الفقهاء والنبالة القطاعية والعسكرية لضمان مساندتهما ، ولا سيما في أيام الأزمات والحرب. فقد احتل “الفونسو السادس” طليطلة سنة 1085 وبعد مضي أربع عشرة سنة على وفاة ابن رشد هزم الموحدون في معركة العقاب سنة 1212 على يد جيوش الفرنجة زمن محمد الناصر بن المنصور يعقوب.
وفي عام 1236 م احتل” فرديناند الثالث” قرطبة فانطوت بذلك نهائيا صفحة حضرة الأندلس وابن رشد الفيلسوف الذي لقفته أوربا المستيقظة من غفوتها انتشرت وتعمقت أفكاره في الرشدية اللاتينية والسياسية في باليرمو وباريس وبارما ونابولي وبولونيا ألإسلامي العربي الذي لا سبيل لنا الآن لتحليل عوامله منذ القرن الثالث عشر حتى القرن التاسع عشر في مرحلته الأولى ، فد حال دون الاعتماد والاستفادة من التنوير الرشدي ، فإن أوربا اللاتينية المستيقظة قد وجدت في هذا التنوير تربة صالحة لمتابعة صعودها. ومن هنا الحديث عن استمرار التنوير العقلي الرشدي في الرشدية اللاتينية ، الأمر الذي سنتحدث عنه فيما بعد.
لقد عبر ابن رشد عن نزعته التنويرية بقوله :”إن الشريعة يصح اعتقادها في صور مختلفة” وهذا ما لم يكن آنذاك يتفق مع إيديولوجيا القرون الوسطى الأوربية التي نزعت إلى الهيمنة ورأت في الرشدية خطرا حقيقيا عليها. لقد وجد العرب منذ نهاية القرن التاسع عشر في جوانب من تراثهم الفكري تسويفا عقليا للتحرر والنهوض. ونحن إذ نحاور ابن رشد اليوم نرفض كل تحكم غيبي بوجودنا الواقعي ، ونكتشف لديه مضمونا إنسانيا وتنويريا وعلميا وديمقراطيا. وإذا كان توما الاكويني قد عمد أرسطو كما يقول سيمون فإن” دن برغ “في تقديمه كتاب “تهافت التهافت” فإن ابن رشد قد منحه زخما تجديديا كبيرا. وبتأسيس توما الأكويني للشرط الكنسي للخلاص ، وبرؤية الله بعد الموت وبإعلائه شأن الإيمان وبوصفه الأرسطية في خدمة العقيدة يتعارض كليا مع الرشدية. ولكن لماذا هذا الاهتمام بالمقاربة بين الاكويني و ابن رشد ؟ لقد كان لوجيه إيديولوجي ساند في فكر الفكر العربي تأثيرا كبير لا على أعمال بعض المستشرقين فحسب ، بل على أعمال بعض الباحثين العرب في تاريخ الفلسفة في القرون الوسطى. وقد انعكس هذا التوجيه في السعي للتقريب بين ابن رشد وتوما الاكويني ، وتعميق الفروق بينهما يمثلان اتجاه التوفيق بين الوحي والعقل فكأن ابن رشد ليس سوى خطورة في الطريق الموصل إلى فلسفة توما الاكويني ، التركيب الأعلى لكل فلسفة لاهوتية. ولقد أثر هذا الاتجاه اللاهوتي في تفسير ابن رشد على بعض الدراسات العربية التي سعت لأن تكون استمرار لتلك الجهود الإستشراقية التي تحرض على تحويل فلسفة ابن رشد إلى قوة محافظة وتجريده من حماسته التنويرية ، قاطعة بذلك أي صلة بين مطالب الرشدية ومطالب التقدم العربي الراهن.
يقول ابن رشد في تلخيصه لما بعد الطبيعة : “وفيه أن يكون مبدأ الأشياء الطبيعية الأقصى التصور لعقل، وإلا فمن أين عرض لها أن تكون في طبيعتها مستعدة لأن نعقلها ؟”.
الإحباط الذي أصيب به أولئك الذين طالبو البابا بتجهيز حملة صليبية على فلسطين ولم تجهز فعليا ، وكان على الفيلسوف حسب توجهات” تاميبه” أن يتقيد بما أصدرته الكنيسة حرفيا. وإذا لم يستطع دحض الحجج الفلسفية المعارضة مع الإيمان ولا رفضها فعليه أن يسكت. وفي عام 1277 أصدر أسقف باريس نفسه تاميبه مرسوما تحريميا آخر بين فيه أن على المرء يشجب الفلسفة باعتبار أن يقرأه فيها يمكن اعتباره من البدع.
وعلى الفيلسوف أن يعرف التمييز بدقة بين النصوص الفلسفية والنصوص الدينية ، ويجب ألا يقول إن بعض الأمور حقيقة حسب الفلسفة وبعضها ليس كذلك نسبة للإيمان الكاثوليكي. وقد طلب أسقف باريس من الفيلسوف أن يميز الحقيقة الفلسفية من حقيقة الكتاب المقدس ، وأن يتبع حقيقة الكتاب المقدس ، وبالتالي تصبح الحقيقة الفلسفية باطلة. ولا يجوز للمؤمنين أن يقبلوا بوجود حقيقة مزدوجة : حقيقة الإيمان وحقيقة العقل.
إن المعنى الضمني لما سبق عرضه يدل على الإحساس بوجود حقيقتين في موضوع واحد ، وعلى الدعوة تثبت حقيقة الإيمان ، كان هناك –كما يقول الآن دوبييرا- محاولة لمحاربة تيار لم يكن موجودا أو هزيل الوجود فاخترع لجعل محاربته ممكنة فعليا. والحقيقة أن كثرا من رجال اللاهوت والرشديين وغيرهم قد أحسوا جميعا بالتناقض بين نظرة أرسطو للعقل و الدين المسيحي وببعض المفارقات. فماذا يقول ابن رشد حقا في هذا المجال ؟
جاء في الكشف عن مناهج الأدلة لابن رشد أن “المقصود الأول بالعلم في حق الجمهور هو العمل فما كان أنفع في العمل فهو أجدر. أما المقصود بالعلم في حق العلماء فهو الأمران جميعا أعني العلم والعمل “ولا يوافق ابن رشد على التأويل في مبادئ الشريعة إذ يقول في “تفسير ما بعد الطبيعة” :”إن مبادئها هي أمور إليهم تفوق العقول الإنسانية وإذا كان العلم الحق عنده هو معرفة الله وسائر الموجودات ، والعمل الحق أو العلم العملي هو معرفة أفعال السعادة والشقاء أي علوم الآخرة والزهد الفعلي والإيمان وما يتضمنه هذا العلم من طرق التصديق الخطابية والجدلية للطريقة البرهانية مشترطا على هذا النحو وحدة الحقيقة. ومع ذلك يبدو أن الحق بالنسبة إلى الجمهور هو الشريعة عملا وعلما ، وهو بالنسبة إلى الفلاسفة والحكماء ، علما مما يوحي بصورة غير مباشرة إلى أن النظر هناك حقيقيين لا حقيقة واحدة. وهذا معنى قول “ليون غوتييخ” : “إن ابن رشد عقلي مع أهل النظر وغير عقلي مع الجمهور”. ويقول ابن رشد في القسم الأخير من كتاب فصل المقال : إن الأمر الغالب دعا الجمهور من معرفة الله إلى طريق وسط ارتفع عن حضيض المقلدين ، إذن تنجن أمام أربع مراتب : 1- التقليد 2- الطريق الوسط 3- تشغيب المتكلمين 4- نظر الخواص البرهاني.
والمطلوب عند ابن رشد الارتفاع عن التقليد والقضاء على التشغيب ، فلا يبقى سوى الطريق الوسط للجمهور والنظر العقلي للحكماء. تلك هي الأفكار الأساسية الرشدية المكشوفة المعروفة التي تمس إلى حد ما فكرة الحقيقة المزوجة (حقيقة العقل ، حقيقة الإيمان) التي اتهمت بها الرشدية اللاتينية ، وتحولت إلى أداة لاضطهاد الكنسية لها.
كان ممثل الرشدية اللاتينية الأول” سيجر البربانتي” الذي ولد على الأغلب في عام 1235 ، توفي قتلا في سجنخ بين سنة 1281 أو 1284 أنجز سيجر أغلب أعماله ما بين المرسوم ألتحريمي الأول سنة 1270 والمرسوم ألتحريمي الثاني 1277 ويبدو أنه غادر باريس هربا ، لكنه وقع في أيدي رجال البابا ، وحكم عليه بالسجن مدى الحياة ، وقضى آخر فترة من حياته في أورفيتو الإيطالية المقر الصيفي للبابا مارتين الرابع حيث قتل على يد راهب قيل إنه مجنون. قدم سيجر إلى باريس عام 1266 حيث ظهر اسمه لأول مرة كعضو في هيئة التدريس ، وكان يمثل أرسطية قلقة دون اهتمام كبير باللاهوت والأرثوذوكسية المسيحية. وحين ألف توما الاكويني كتابه “وحدة العقل ضد الرشديين ” رد عليه سيجر بكتابه الصغير “مسائل النفس الناطقة” ويعد ما تدونه المناظرة والسجال بين سيجر البرابانتي وتوما الاكويني الحادث الثقافي الأهم في القرن الثالث عشر. بدأ سيجر التدريس في جامعة باريس وقام مع “بوتيوس الداقياني” بنشر ما يسمى بالهرطقة الرشدية في الوسط الجامعي. وتتلخص أفكاره في أن لكل البشر عقلا مشتركا واحدا وقد يكون مكونا على نحو مختلف في كل مرة ، وهذا العقل متحد بالمادة التي لها الأولوية ، وهو محدد بصورة تامة ، والنفوس فانية والعالم قديم وقابل للمعرفة ، ورفض سيجر فكرة وجود عالم آخر وأعلن أن العالم والبشر يتطوران دون تدخل إلاهي ، ولا يقدم لنا اللاهوت أية معرفة. وقد أعرب عن اعتقاده بأن الصلاة غير لازمة والكهنوت نافل. وعلى الرغم من أن توما الاكويني قد أمر بالذهاب إلى بتريس لمناهضة سيجر فقد توسع تأثيرا هذا الأخير واتخذ إشكالا أكثر جذرية. وألف سيجر كتابا بين فيه أن ألبيرت الكبير وتوما الاكويني يفسران أرسطو تفسيرا خاطئا. وتمة اعتراف بأنه كانت لسيجر الغلبة في مواجهته لتوما الاكويني الذي لم يستطع التعبير عما يريد قوله بلغة المفاهيم.
هكذا عاشت الرشدية وانتشرت في أوروبا وقامت بتنويرها بينما حوربت في ديار الإسلام لهم النور ولنا الظلام.

قم بكتابة اول تعليق

اترك رد