نظرية العقد الاجتماعي عند جاك روسو

موند بريس : بقلم: عبدالرحمان بوعبدلي

كثيرة هي النظريات والمذاهب التي حاولت البحث في أصل نشأة الدولة، أو بعبارة أخرى: البحث في كيفية انتقال الانسان من حالة الطبيعة الى حالة الاجتماع (المجتمع المدني)؟.
فهناك من يربط نشأة الدولة بالأسرة كنواة أولى ، في حين يذهب البعض الآخر الى أن نشأة الدول مرتبط بعنصري القوة والقهر. وهناك رأي ثالث – وليس بأخير- يرى بان ثمة تعاقدا تم بين مجموعة من الأفراد أدى الى ميلاد الدولة (فلاسفة نظريات العقد الاجتماعي).
فما المقصود اذن بنظرية العقد الاجتماعي ؟ ثم متى وكيف ظهرت هذه النظرية ؟ وماذا عن المساهمين في صياغة وإبراز مضامينها ؟ .
بالرغم من تواجد أفكار مماثلة لنظرية العقد الاجتماعي قديما في الفلسفة الاغريقية والرواقية والقانون الروماني والكنسي…، إلا ان هذه النظرية بلغت أوج أهميتها منذ منتصف القرن السابع عشر وحتى بداية القرن التاسع العشر، حيث كانت الفلسفة السياسية السائدة آنذاك تشترك معظم نظريات العقد الاجتماعي في نقطة انطلاقها ، وهي فحص حالة الإنسان في غياب أي نظام سياسي. وقد ساهم في صياغة وإبراز مضمون هذه النظريات كل من توماس هوبز (1) وجون لوك (2) وجان جاك روسو. وعليه ونظرا للأهمية القصوى التي تميز بها هذا الاخير في صياغة هذه النظرية وباعتباره كمحطة أساسية من تاريخ الفكر السياسي الحديث نظرا لما أدخله من أدوات جديدة على المجال النظري في البحث السياسي. اذ يجسد ج.ج.روسو من خلال أعماله الرائدة الفيلسوف المهموم والمشغول بمشاكل عصره والمنخرط انخراطا فعالا في النقاشات
العقد الاجتماعي في الفلسفة الأخلاقية والسياسية هو نظرية أو نموذج تبلور في عصر التنوير، ويهتم عادة بشرعية سلطة الدولة على الأفراد. وتنادي نظرية العقد الاجتماعي بالتحديد بأن الأفراد يقبلون ، بشكل ضمني أو صريح ، أن يتخلوا عن بعض حرياتهم ويخضعوا لسلطة الحاكم (أو لقرار الأغلبية) لقاء حماية بقية حقوقهم. ومن ثم، فإن العلاقة بين الحقوق الطبيعية والشرعية هي في العادة مبحث من مباحث نظرية العقد الاجتماعي. وقد أخذ المصطلح اسمه من كتاب العقد الاجتماعي لجان جاك روسو الذي ناقش فيه هذا المفهوم. فالهدف اذن من اقامة فكرة العقد الاجتماعي هو ايجاد معادلة موضوعية بين الحاكم والمحكوم ، فأينما وجد مجتمع تسوده علاقات فلابد من اطار ينظم هذه العلاقات.
ورغبة في اقامة مجتمع منظم وفق قواعد ثابتة ، فان مفهوم العقد الاجتماعي ماهو إلا صياغة منظمة لمفهوم الحق الطبيعي للبشر للتوصل الى مجتمع له أساس ثابت يقوم على العدل والإنصاف ، والابتعاد عن الصراع الشرس الذي خاضه الانسان مع الطبيعة منذ العصور القديمة للحصول على حقوقه واحتياجاته.
المطلب الثاني: تطور فكرة العقد الاجتماعي عبر التاريخ
طرح مفهوم العقد الاجتماعي في الأساس من قبل غلوكون ، ووصف أفلاطون ذلك في الكتاب الثاني من جمهورية أفلاطون (3): ” يقولون إن التعدي مأثور لذاته ، ولكن عاقبته رديّة. لأن الشر الناشئ عن وقعه يربي كثيرا على الخير الناجم عن اقترافه. ولذا بعد ما ظلم الناس بعضهم بعضا زمنا طويلا وتحملوا ثقل وطأته على النفوس ، واختبروا العدالة والتعدي كليهما ، رأوا أن الأفضل للذين لا يقدرون أن ينبذوا أحدهما ويختاروا الآخر ، أن يتفقوا أن لا يظلموا ولا يُظَلَموا. هذا منبت الشرائع والمعاهدات بين الإنسان وأخيه ، فحسبوا ما أوجبتهُ الشرائع عادلاً مشروعاً. قالوا : هكذا نشأت العدالة ، وهي حلقة متوسطة بين الأفضل ، وهو التعدي دون عقوبة ، وبين الاردأ ، وهو الانظلام مع العجز عن الانتقام ، فالعدالة المتوسطة بين هذين الطرفين مرغوب فيها. لا لأنها خير بالذات ، بل لأنها التحفت بشرف دفع التعدي ، ويقولون إنهُ متى امتلك المرء المقدرة على التعدّي ، مع اكتسابه أوضاع القوة، فإنه لا يرضى قطعياً أن يستضعَف ، فيتقيد بنبذ التعدّي. هذا ما قيل في طبيعة العدالة وفي أصلها .”
وذكر مفهوم نظرية العقد الاجتماعي أيضا على لسان كريتو في محاورات أفلاطون. وبمرور الوقت ، أصبحت نظرية العقد الاجتماعي أكثر انتشارا بعد أبيقور 270-341 (ق-م) وهو أول فيلسوف رأى العدالة كعقد اجتماعي ، وأنها ليست صفة ملازمة للطبيعة أو ناتجة عن تدخل إلهي ، وقرر أن يجعل للنظرية الصدارة في مجتمعه.
تم الاحتفاظ بالكثير من صيغ العقد الاجتماعي التي وجدت في أقدم سجلات العالم. يروى في النص البوذي من القرن الثاني قبل الميلاد ، ماهافاستوا ، أن أسطورة ماهاساماتا وقعت كما يلي:
“في الأيام الأولى للكون ، عاش البشر في بعد غير مادي ، وكانوا يتراقصون على الهواء وكأنهم في عبقر فلم يحتاجوا إلى طعام أو لباس ، ولا ملكية خاصة أو عائلة أو حكومة أو قوانين. لكن دورة الاضمحلال الكوني بدأت حينها ، وأصبح البشر مرتبطين بالأرض ، فشعروا بالحاجة للطعام والملجأ. ولما خسر الناس مجدهم في أول الزمان ، ظهرت للعيان فروق الطبقات ، واتفق الناس فيما بينهم وقبلوا مؤسستي الملكية العامة والعائلة. وبجانب ذلك ، ظهرت جرائم القتل والزنا وغيرها ، ولذلك اجتمع الناس وقرروا تنصيب واحد منهم ليحفظ النظام لقاء شطر من ما ينتجونه من حقولهم وقطعانهم. وأطلقوا عليه ” المختار العظيم ” (ماهاساماتا) ، ولقب بلقب ” راجا ” لأنه أسعد الناس.
كما ذكر على مراسيم الملك أسوكا الصخرية أنه نادى بصياغة عقد اجتماعي كبير وبعيد المدى. ويعكس الفينايا البوذي أيضا العقود الاجتماعية المتوقع من الرهبان اتباعها. فعلى سبيل المثال ، عندما تصدر شكوى عن أناس في بلدة ما من أن الرهبان يقطعون أشجار الساكا ، فإن البوذا يأمر رهبانه بالتوقف عن ذلك واحترام العادات المجتمعية.
وفي القرن الرابع قبل الميلاد ، امتلك أبيقور فهما قويا لمفهوم العقد الاجتماعي وتأصل العدالة والقانون في الاتفاق والمنفعة المتبادلين ، ويتضح ذلك في ما يلي من كتابه المذاهب الرئيسية:
– العدالة الطبيعية هي التزام بالمنفعة المتبادلة ، ومنع أحد الناس من أن يضر غيره ومنعهم من أن يضروه.
-.إن تلك الحيوانات التي لا تستطيع الالتزام باتفاقيات فيما بينها لئلا تؤلم أو تضر بعضها البعض هي كائنات بلا عدالة أو ظلم ، والأمر عينه ينطبق على أولئك الناس الذين لا يمكنهم ولن يمكنهم إبرام اتفاقيات لئلا تؤلم أو تضر بعضها البعض.
– لم يكن هناك قط ما يسمى بالعدالة المطلقة ، بل هناك اتفاقيات تبرم بالاتفاق المتبادل بين الناس ، في أي مكان وزمان ، لضمان عدم إلحاقهم الألم أو الضرر ببعضهم البعض.
يجادل كوينتين سكينر بأن العديد من التطويرات الحديثة التي أدخلت على نظرية العقد الاجتماعي مذكورة في كتابات الكالفنيين والهوغونوتيونيين الفرنسيين، وقد استشهد بأعمالهم كتاب البلدان المنخفضة الذين اعترضوا على إخضاعهم لإسبانيا، ولاحقا الكاثوليك من إنجلترا .ويمكن اعتبار فرانشسكو سواريز (1548 – 1617)، من مدرسة سالامانكا ، كواحد من أول المنظرين لنظرية العقد الاجتماعي والقانون الطبيعي كمحاولة لتقييد الحق الإلهي للملكية المطلقة. تمكنت كل تلك الجماعات من تفصيل أفكار عن السيادة العامة عن طريق مواثيق أو عقود اجتماعية، ودارت كل هذه الجدالات حول «الحالة الطبيعية»، وصولا إلى أن أساس السياسة هو أن كل إنسان بطبيعته حر من الخضوع لأي حكومة.
ومع ذلك ، فقد اعتمدت هذه الجدالات على نظرية مؤسسية وجدت في القانون الروماني باعتبار أن الشعب هو مصدر السلطة السياسية ، ووفقا لها فإن “الشعب” يمكن ان يتواجد ككيان شرعي مستقل. وعليه فإن هذه الجدالات ترى أنه من الممكن أن تنضم جماعة من الناس إلى الحكومة لأن لديها القدرة على تمثيل إرادة واحدة ولديها صوت واحد في اتخاذ القرارات بعيدا عن السلطة السيادية –وهي فكرة رفضها هوبز والعديد من منظري العقد الاجتماعي اللاحقين أمثال جان جاك روسو

يتبع …..

قم بكتابة اول تعليق

اترك رد