موند بريس : د. يونس صبار
باحث في القانون العام والعلوم السياسية
إنتقلت وظيفة البرلمان التشريعية عبر معظم الأزمنة المعاصرة من وضعية أصلية كانت المؤسسة التشريعية تتربع فيها على عرش هذه الوظيفة إلى وضعية استثنائية تراجع فيها دورها التشريعي، مقابل توسيع دور الحكومات في هذا المجال، نظرا للتطور المهم الذي عرفته الأنظمة السياسية على كافة الأصعدة والمستويات، مما أصبح يستدعي سرعة كبيرة وكفاءة عالية في التصدي للأحداث ومعالجة مستجدات الأمور وهو أمر لا يمكن ضمان توفره في نواب منتخبين لا يشترط في ترشيحهم مستويات علمية معينة أو تخصصات متنوعة.
وهكذا يمكن القول أن المبادرة التشريعية تعتبر من التقنيات الأساسية التي يتقاسمها البرلمان والحكومة. فالدساتير المتعاقبة في المغرب أوكلت إلى الحكومة وأعضاء البرلمان على حد سواء حق هذه المبادرة التشريعية بدءا بالاقتراح
المبحث الثاني: المسطرة التشريعية.
يمارس البرلمان اختصاصاته التشريعية وفق مقتضيات الدستور وتبعا للنظام الداخلي لكلا مجلسي البرلمان، يمكن تلخيص هذه الإجراءات في المراحل التالية: الاقتراح، الإيداع وإحالة القوانين (المطلب الأول) بالإضافة إلى المناقشة والتصويت على القوانين في الجلسة العامة (المطلب الثاني).
المطلب الأول: الاقتراح، الإيداع وإحالة القوانين.
تتم عملية الاقتراح سواء مشاريع قوانين من طرف أعضاء الحكومة أو مقترحات قوانين من طرف ممثلي الأمة (الفقرة الأولى)، كما تودع بالأسبقية لدى مكتب مجلس النواب، في حين تحال بعد ذلك مشاريع ومقترحات القوانين لأجل النظر فيها على اللجان التي يستمر عملها خلال الفترات الفاصلة بين الدورات (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: الاقتراح.
تعتبر المبادرة التشريعية العملَ الذي يضع الأسس الأولى للتشريع ويحدد مضمونه وموضوعه، مما يجعل البرلمان ملزما بمناقشته، لهذا أقر الدستور المغربي أن لرئيس الحكومة ولأعضاء البرلمان على السواء، حق التقدم باقتراح القوانين. كما تودع مشاريع القوانين بالأسبقية لدى مكتب مجلس النواب، غير أن مشاريع القوانين المتعلقة، على وجه الخصوص، بالجماعات الترابية وبالتنمية الجهوية، وبالقضايا الاجتماعية، تودع بالأسبقية لدى مكتب مجلس المستشارين.
حاول المشرع الدستوري المغربي من خلال دستور 2011 إقرار مجموعة الأحكام والمقتضيات المتعلقة بملائمة المسطرة التشريعية التي من شأنها أن تمكن البرلمان من ممارسة سلطته التشريعية في إطار تحقيق شبه توازن بين مجلسيه
وإذا كان ظاهريا، ومن حيث المبدأ أن حق التقدم بمبادرة القوانين سواء في شكل مقترحات أو مشاريع قوانين، قد جاء بشكل يسوي بين مؤسستي الحكومة والبرلمان في هذا المجال، فإن المساواة ليست سوى “مساواة ظاهرية”
فالحكومة تتمتع بعدة وسائل تجعلها تتحكم في هذه المبادرة وتسيطر على الإنتاج التشريعي للبرلمان، سواء من خلال محدوديتها البرلمانية أو من خلال تقييد حق التعديل والإقتراح، الذي يكون إما صادرا عن أعضاء البرلمان في شكل مقترح قانون، مما يجعله يكتسي صبغة تشريعية واضحة تؤدي وظيفتها الطبيعية، وإما أن يكون صادرا عن السلطة التنفيذية في شكل مشاريع قوانين وفقا لمقتضيات الفصل 78 من دستور 2011.
فمن بين أهم المقتضيات التي جاء بها الدستور الجديد والتي تستهدف النهوض بالعمل البرلماني، تلك المتعلقة بالمعارضة البرلمانية، حيث خصها الدستور بمكانة متميزة وجعل منها شريكا أساسيا في صناعة التشريع إلى جانب الأغلبية البرلمانية، وهذا الأمر فيه رفع للحيف والتهميش الذي كان يمس المعارضة في ظل الدساتير السابقة، حيث أصبحت تترأس إحدى اللجان البرلمانية الدائمة كلجنة التشريع.
الفقرة الثانية: الإيداع وإحالة القوانين.
نص الدستور المغربي على أن مشاريع القوانين تودع بالأسبقية لدى مكتب مجلس النواب، غير أن مشاريع القوانين المتعلقة، على وجه الخصوص، بالجماعات الترابية وبالتنمية الجهوية، وبالقضايا الاجتماعية، تودع بالأسبقية لدى مكتب مجلس المستشارين.
تحال بعد ذلك مشاريع ومقترحات القوانين لأجل النظر فيها على اللجان التي يستمر عملها خلال الفترات الفاصلة بين الدورات، وتبعا للنظام الداخلي لمجلسي النواب، يعتبر رئيس المجلس هو المسؤول عن إحالة كل نص أو مقترح قانون إثر التوصل به من اللجنة الدائمة، إلا أنه، وعند عدم وجودها، يُعْهَدُ بدراسته إلى لجنة تُشَكَلُ خصيصا لهذه الغاية يطلق عليها اسم “اللجنة المؤقتة المختصة”.
المطلب الثاني: المناقشة والتصويت على القوانين في الجلسات العامة.
يتم مناقشة مشاريع ومقترحات القوانين داخل الجلسات العامة للبرلمان بعد الانتهاء من دراستها داخل اللجان المختصة(الفقرة الأولى)، لتبدأ مرحلة التصويت بعد انتهاء المناقشة في هذه الجلسة (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: مرحلة المناقشة على مستوى الجلسات العامة.
بعد دراسة النصوص في إطار اللجان البرلمانية تحال إلى مكتب المجلس التشريعي مصحوبة بتقرير اللجنة التي درستها، ثم تسجل في جدول أعماله لتبدأ مناقشتها في الجلسة العامة. يكون من حق أعضاء المجلس والحكومة، خلال مناقشة النص المعروض أمامهم حق التقدم بتعديلات بهدف إدخالها على النص محل النقاش، إلى أن هذا الحق بالنسبة لأعضاء البرلمان ترد عليه بعض القيود، فالجلسات العامة هي اجتماعات يعقدها كل من مجلس النواب والمستشارين بحضور جميع أعضائها كل حسب اختصاصه، وقد جعلها المشرع الدستوري في الفصل 68 الفقرتين الأولى و الثانية عمومية في الأصل وسرية إطار ما طلب رئيس الحكومة أو ثلث أعضاء المجلس المعني بالأمر.
تبتدئ المناقشة بناء على جدول أعمال حيث يضع مكتب كل من مجلس البرلمان جدول أعماله ويتضمن هذا الجدول مشاريع ومقترحات القوانين، بالأسبقية ووفق الترتيب الذي تحدده الحكومة. كما تكون هذه المناقشة حول أي مشروع أو مقترح قانون على ضوء تقرير شامل يقدمه إلى المجلس مقرر اللجنة التي يعنيها الأمر.
تتجلى أهمية مناقشة النصوص التشريعية كما يقول الأستاذ مصطفى قلوش:” في الكشف عن العيوب التي تلازم أحيانا بعض مشاريع ومقترحات القوانين”.ويعتبرها من أهم مراحل المسطرة التشريعية.
فبعد الشروع في المناقشة لا يمكن إحالة نص مضاد على مناقشة، كما لا يسمح بأي تدخل إلا إذا كان موضوع النص المقترح بدراسته يخالف الدستور، غير أنه بعد اختتام المناقشات العامة لا يمكن أن تعرض على المناقشة أو التصويت أية مسألة إلا إذا رغب رئيس فريق أو رئيس لجنة أو عشر أعضاء المجلس في إرجاع النص بكامله إلى اللجنة المختصة ويبث المجلس في ذلك.
يبدو أن المساطر التشريعية المتعلقة بمناقشة النصوص القانونية عملية بسيطة، تنطلق بتلقائية بمجرد أن تنتهي عملية الإيداع أي مشروع أو مقترح قانون.
الفقرة الثانية: التصويت.
يعتبر التصويت بمثابة الإجراء الأساسي والحاسم في إنجاز العملية التشريعية، وبموجبه يتحدد مصير النص فإما أن يقبل فيحال إلى رئيس الدولة لإصداره أو يرفض فيسقطه.وتعد عملية التصويت من أبرز وأهم التقنيات في المسطرة التشريعية، إذ على أساسها تتحدد قيمة النص ومصيره.
يصدر القانون عن البرلمان بالتصويت ويبث المجلس المعروض عليه النص بتصويت واحد في النص المناقش عليه كله أو بعضه، إذا ما طلبت الحكومة ذلك، مع اقتصار على التعديلات المقترحات أو المقبولة من طرف الحكومة.
أما فيما يتعلق بطريقة التصويت، قد تكون إما برفع اليد أو بواسطة الجهاز الالكتروني المعد لذلك أو بالاقتراع العمومي على المنصة، غير أن التصويت يكون سريا إذا تعلق الأمر بتعيينات شخصية.
وختاما
رغم الدور الذي يلعبه البرلمان في المجالين التشريعي إلا أنه يواجه العديد من المعيقات. فعلى المستوى السياسية التشريعية، نجد نظام الثنائية البرلمانية، الذي يؤثر سلبا عليها. كما أن للملك صلاحيات واسعة في هذا المجال، تمكنه من التأثير على السلوك والأداء التشريعيين وتجعل منه سلطة حقيقية تعطيه حق الاعتراض على إصدار الأمر بتنفيذ القانون.
ولا ننسى سيطرة الحكومة على الجهاز التشريعي، نتيجة العقلنة البرلمانية حيث أصبحت تبادر إلى التشريع اعتمادا على الصلاحيات المخولة لها بمقتضى الدستور. والمتعلقة بقانون الإذن، والتشريع بين الدورات.
قم بكتابة اول تعليق