موند بريس / محمد أيت المودن
يبقى التعليم الأولي نقطة ضعف هيكلي بمنظومة التربية والتكوين ببلادنا، بدليل أن ما حصل عليه كل موظفي وزارة التربية الوطنية من حقوق وامتيازات في الاتفاق الأخير المبرم مع النقابات، والمعروف باتفاق 25 دجنبر لم يشمل مربي ومربيات التعليم الأولي إطلاقا. فهذه الوظيفة ذات الأهمية الخاصة في التربية ماتزال تحت رحمة التدبير المفوض الذي يضع المستخدمين تحت رحمة الجمعيات، ومنها جمعيات ليست لها هوية تربوية أو ثقافية، استفادت بطرق ملتوية من صفقات هذا المجال، بدليل أن هناك مربين ومربيات لم يحصلوا على أجورهم منذ انطلاق الموسم الدراسي الحالي.
مشروع حكومي طموح
أفاد تقرير حول الميزانية القائمة على النتائج من منظور النوع الصادر عن وزارة الاقتصاد والمالية، بأن «قياس المكاسب الاجتماعية والاقتصادية التي يمكن أن يولدها تحقيق أهداف البرنامج الوطني لتعميم وتطوير التعليم الأولي (PNGDP) أظهر أن تعميم التعليم الأولي للأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 4 و5 سنوات سيسمح بخلق 51,903 مناصب شغل جديدة».
وفي هذا الصدد، أكد التقرير أن حوالي 71 في المائة من مناصب الشغل المستحدثة (أي 36,832 وظيفة) عبارة عن مناصب شغل مباشرة، مشيرا إلى أن التحليل، من منظور النوع لمناصب الشغل هذه، أبان عن خلق 46,713 منصبا للنساء و5,190 للرجال. وشدد التقرير على أن تحقيق أهداف البرنامج الوطني لتعميم وتطوير التعليم الأولي لن يسمح فقط بخلق المزيد من فرص العمل لفائدة النساء، بل سيعزز أيضا إمكانية ولوجهن إلى العمل اللائق.
وعلاوة على ذلك، من شأن التعليم الأولي أن يحظى بأثر إيجابي على عرض اليد العاملة النسائية، من خلال تقليل الوقت المخصص لأعمال الرعاية غير مدفوعة الأجر، ما يمكن أن يدرج المرأة ضمن فئة الساكنة النشيطة. وبذلك، فإن تنمية التعليم الأولي على الصعيد الوطني، أخذا بالاعتبار كثافة مناصب الشغل المباشرة وغير المباشرة، بما في ذلك تلك الموجهة للنساء، التي يمكن لها أن تولدها وكذا الدخل الذي يحتمل أن تعززه، فإنها تعتبر رافعة رئيسية لتعزيز التمكين الاقتصادي للنساء، وتقليص الفوارق على أساس النوع وتثمين الرأسمال البشري.
ويكمن الهدف من التقرير حول الميزانية القائمة على النتائج من منظور النوع في إطلاع المواطنين على الجهود المبذولة للأخذ بالاعتبار القضايا المتعلقة بتعزيز المساواة بين المرأة والرجل في عمليات البرمجة وإعداد الميزانية داخل القطاعات الوزارية، وفقا لمقتضيات القانون التنظيمي لقانون المالية لسنة 2015.
نظام العبودية
كشفت مربيات التعليم الأولي عن واقع مرير يشتكين منه، ولم تؤد الشكاوى والاحتجاجات والوقفات والرسائل التي رفعنها إلى مسؤولي وزارة التربية الوطنية إلى إيجاد حل لمعاناتهن، بدء من تأخر صرف مستحقاتهن لشهور وهشاشة أجورهن، إذ صارت المربيات يقمن بدور الأستاذة والمنظفة والمساعدة، والعشرات منهن تعرضن للابتزاز والطرد التعسفي من قبل بعض الجمعيات التي تحولت إلى وسيطة في تدبير هذا الملف.
فالمربيات والمربون بالتعليم الأولي العمومي يعانون من الهشاشة وعدم الاستقرار المهني المادي والمعنوي، على خلفية طريقة تدبير وتسيير مجال التعليم الأولي العمومي المعتمدة من قبل الوزارة والأكاديميات الجهوية للتربية والتعليم وهو نظام الوساطة، حيث يتم تفويت الموارد المالية الخاصة بتسيير هذا المجال لعدد من الجمعيات عن طريق الإعلان عن طلب العروض كل سنة ويتم انتقاء الجمعيات حسب الشروط التي تضعها الأكاديميات. ومن هنا تبدأ المعاناة.
فالجمعيات المكلفة بتسيير أقسام التعليم الأولي تقوم بدور الوسيط بين المربية أو المربي عن طريق عقد شراكة بينها وبين المديرية الإقليمية والأكاديمية الجهوية، والجمعية تشغل المربية بعقد شغل لا يحترم البنود المنصوص عليها في مدونة الشغل. أجر هزيل لا يرقى إلى الحد الأدنى للأجور قدره 2638 درهما في بعض الجهات، ويصل إلى أقل من ذلك في جهات أخرى. كما أن الدعم إن صُرف للمربية أو المربي يقسم إلى 3 أشطر أو 4 في السنة ويتم تسليمه كلما توصلت الجمعية بالدعم المخصص للمشروع من قبل الأكاديمية وقد يتأخر لمدة ستة أشهر أو سنة، بحسب التدبير المالي للأكاديمية.
ومما يزيد من معاناة هذه الفئة أن المربية تشرف على أقسام التعليم الأولي داخل المدرسة العمومية ولكنها تخضع في تسييرها لجهات أخرى، فالمربية تقوم بدور الأستاذة والمنظفة والمساعدة، والمربيات والمربون يتعرضون للابتزاز والطرد التعسفي من قبل بعض الجمعيات. ما يستلزم إعادة النظر في طريقة تدبير هذا المجال، فلا معنى أن تكون هناك موارد مالية كافية لتشغيل المربيات ويتم تفويتها لجهات أخرى من أجل تقزيمها، يرى متتبعون يشددون على أن الحل هو إدماج مربيات ومربي التعليم الأولي داخل منظومة التربية والتكوين وتمتيعهم بالحقوق نفسها أسوة بزملائهم في المهنة، فلا حديث عن الجودة بالتعليم الأولي من دون الاهتمام بالموارد البشرية المشرفة على هذا القطاع.
واقع مرير وانتظارات كثيرة
يترقب الآلاف من العاملين في قطاع التعليم الأولي الخطوات التي سيقدم عليها شكيب بن موسى، وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، لصالح هذا القطاع الذي ظلت تتدخل فيه قطاعات متعددة.
وأجمع عدد من الفاعلين في قطاع التربية الوطنية والتعليم الأولي على ضرورة إيلاء هذا القطاع المكانة التي يستحقها وتجاوز الإشكالات التي يعيشها منذ عقود. وينتظر العاملون في قطاع التعليم الأولي أن تتخذ الحكومة إجراءات استعجالية لصالحهم.
وأول هذه المطالب هو دمج مربيات ومربي التعليم الأولي في نظام أساسي موحد مع موظفي وزارة التربية الوطنية، والقطع مع وضعية تعدد المتدخلين في القطاع؛ فهذا القطاع تتدخل فيه الجمعيات والأكاديميات ووزارة التربية الوطنية. والأوقاف والشؤون الإسلامية والشبيبة والرياضة والتعاون الوطني…
وعلى الرغم من أن الآلاف من العاملين في قطاع التعليم الأولي يشتغلون في حجرات وأقسام تابعة لوزارة التربية الوطنية، فإنهم يشتغلون بموجب عقود مع عدد من الجمعيات.
هذا الوضع يجعل العاملين في قطاع التعليم الأولي ، عرضة لكل أنواع التعسف وهضم الحقوق، وأن العديدين منهم يعانون من تأخر صرف الرواتب الهزيلة ، ولا يتم التصريح بهم لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
كما أنه يجب مواكبة المربيات والمربين عبر التكوين باستمرار ، وليس عبر مراحل متفرقة. وتمكينهم من وسائل التعليم الحديثة التي تتماشى مع متطلبات المرحلة قصد تطوير قدرات الأطفال وإعدادهم إعدادا جيدا لمرحلة التعليم الابتدائي. وضرورة تولي وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي المسؤولية الكاملة على هذا القطاع، وإدماج العاملين فيه ضمن النظام الأساسي لموظفي التربية الوطنية. خصوصا وأن قطاع التعليم الأولي هو قطاع نسوي بالدرجة الأولى، و أن العاملين فيه يتعرضون لكل أنواع الحيف.
فهناك من قضى أزيد من 15 سنة يشتغل في هذا القطاع، وفجأة يجد نفسه موقوفا عن العمل، وحينما يتوجه إلى الأكاديمية من أجل المطالبة بحقه يوجهونه إلى مفتش الشغل. عدد من هذا الأخير يؤكدون تلقيهم يوميا شكايات من العاملات والعاملين في القطاع تهم على الخصوص عدم أداء الأجور والتوقيف من العمل.
وقد استبشر أهل القطاع خيرا عند تقلد السيد الوزير شكيب بن موسى هذه المسؤولية وتسمية الوزارة بوزارة للتربية الوطنية والتعليم الأولي لما تحمله من دلالات عديدة توحي بأشياء كثيرة.
فلا يختلف اثنان أن التعليم الأولي يشكل أساس المنظومة التربوية ككل، وأن ما ينقص التعليم الأولي حاليا هو تكوين أطر ومتخصصين في المجال بإمكانهم السهر على تأهيل الأطفال لولوج التعليم الابتدائي. وإيلاء العناية اللازمة للمربيات والمربين وتمتيعهم بحقزقهم كاملة حنى يضطلعوا بمهامهم على أحسن وجه.
يذكر أن وزارة التربية الوطنية قد أطلقت، في سنة 2018، برنامجا لتعميم التعليم الأولي يستهدف الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 4 و6 سنوات. وإلى حدود ماي من العام الجاري، أعلنت الحكومة تسجيل ارتفاع ملحوظ في نسبة المستفيدين من التعليم الأولي، والتي بلغت 72 في المائة الموسم الماضي؛ فيما وصل عدد الأطفال المسجلين إلى أكثر من 900 ألف خلال الموسم الدراسي المنصرم.
قم بكتابة اول تعليق