موند بريس / محمد أيت المودن
منذ عودته إلى الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية، يَحُلّ عبد الإله ابن كيران، ضيفا على المؤتمرات الأسبوعية للحزب في مختلف مناطق المملكة، آخرها بجهة الشرق، يستقبله المئات من المناضلين بهتافات “الزعيم”، قبل أن يستقر في المنصة وسط صدى التصفيق، ويأخذ من الكلام أكثر من ساعة ونصف يشرع خلالها في تقليب صفحات من كتاب إدارته للحكومة التي أعقبت التعديل الدستوري لسنة 2011. يبرر إبانها هفواته ويثمن قراراته، ويذكر بحربه الضروس التي يختصرها لغة في “التماسيح والعفاريت”.
يخطب الرجل في عموم مريديه، بأن الحزب حيّ لم يمت بعد، عقب نكسة انتخابات الثامن من شتنبر التي أعلنت خفوت بريق “المصباح”.. يأتي ابن كيران في حديثه على ملفات كثيرة، وهي ذاتها التي يثيرها أسبوعيا، يخلق بها سجالات ويعلن عن نفسه، تارة موجه بالسهام إلى خصومه “الخارجيين” من النسق السياسي، وتارة أخرى من داخل الحزب ممن اختاروا في وقت سابق طريق الإستوزار أثناء إعفاء ابن كيران من مهمة التكليف بتشكيل حكومة 2016-2021.
تكرار حديث ابن كيران عن نفس المواضيع، باختلاف المكان والزمن فقط، يضع الخطاب السياسي للرجل في ميزان جدوى التأثير، وفق ما يراه متابعون للشأن العام، ويعرض بضاعة ذلك الخطاب إلى الاستهلاك، وهو من يرغب عبره تمرير رسائل تبتغي إعادة توهج العدالة والتنمية في خلق معارضة “قوية” بعيدا عن مؤسسة البرلمان التي اقتصر حضور “المصباح” فيها على مجموعة نيابية فقط.
وعن سبب تكثيف ابن كيران لخرجاته التواصلية شبه الأسبوعية أو حتى من على صفحته بمواقع التواصل الاجتماعي، يؤكد رشيد الإدريسي، الباحث في القانون الدستوري ، أن فقدان الجاه والوزن السّياسي وهجران الخلّان من داخل العشيرة السياسية، وابتلاع قرار التقاعد السياسي المبكّر ثلاث سنوات، يذكي حماسة العودة لرئيس الحكومة الأسبق، ورؤيته أن قيمته الاعتبارية في المجال السياسي هي الكفيلة بخلق نوع من التوازن بين الأغلبية المهيمنة على المؤسسات التشريعية، ومعارضة الشارع.
ويعتمد ابن كيران في مخرجاته التواصلية، وفق الإدريسي على مركزية “الشعبوية”، باعتبارها أسلوبا سياسيا في التعاطي مع أوضاع اجتماعية وسياسية تطبعها أزمات هويتيه وخيبات أمل من واقع معين، تمثل السمة المهيمنة على الخطاب السياسي للرجل.
ووفق المتحدث، يحاول زعيم العدالة والتنمية، خلق نوع من الاحتراس من أن يظهر مجرّد كائن سياسي رخوي في أعين منتقديه، فقد أدهش كثيرا بجرأته على المهادنة والممانعة في آن واحد. فقد تبنّى بنكيران، في خطابه، المنطق الاستنتاجي في تبرير الأخطاء، واستمالة التأييد.
ويتابع الباحث في القانون الدستوري، أنه بالعودة إلى نوع من الخطاب الذي يثيره ابن كيران هو حديثه المتكرر عن الملك، فالرجل يتحدث عن شخص الملك “كما لم يفعل ذلك أي مسؤول سياسي مغربي قبله”، فقد تباينت تصريحاته بين التّبعية أحيانا وعدم الانصياع أحايين أخرى، من قبيل “أنا مجرّد موظّف في حكومة الملك”، و “لا يُقال لا لجلالة الملك”، و “أنا مطلوب منّي السمع والطاعة في ما هو واجب للدولة أو النّصح من قبلي لجلالة الملك”.
ويصف البعض ابن كيران بـ”الماهر” في اختيار العزف حسب نوتة السلطة أو اعتماد نوتة بديلة من خلال تكتيكات سياسية تحقق غايات وتصيب أهداف يراهن عليها الحزب في الاستحقاقات التالية، بعد التفكك وحالة الوهن التي يظهر عليها.
قم بكتابة اول تعليق