11/مبدع في زمن كورونا: د.عبد الإله الرابحي  : القراءة هي الرأسمال الحقيقي للشعوب

موندبريس

حاور الكاتب الأستاذ عبد الجليل لعميري

زمن كورونا، زمن الحجر الصحي، زمن الجائحة المعولمة. …تسميات كثيرة أطلقت على هذه الحالة الطارئة المتسلطة على رقاب ملايير سكان العالم. صدمة زعزعت الكثير من اليقينيات وخلخلت أولويات الحياة. أصبح الطعام والصحة في صدارة الأولويات،مع أهمية الأمن حيث استرجعت الدولة ادوارا فقدتها سابقا قبل زمن كورونا،رغم أنها ظلت تتأرجح بين التدبير الجدي للأزمة والتدبير التسلطي لها . وتم رد الاعتبار للعلم وتصدر طلائع مواجهة الجائحة، وتقهقرت بعض الفقاعات، التي كانت تستنزف خيرات الشعوب، إلى الظل. تأكد دور العامل والصانع والتاجر والأستاذ. واكتشف معظم الناس أن للإبداع مكانته في زمن كوفيد 19، اعيد الإعتبار للقراءة وسمعنا عن إرتفاع نسبة رواج الكتب و نسبة استهلاك الأنترنيت، وحاجة مؤسسة عالمية مثل أمازون لآلاف العمال الجدد (100 ألف )لتقديم خدماتها وضمنها الكتاب. رغم الهزات التي عرفها الاقتصاد والمجتمع تأكد للجميع أهمية المعرفة، وان مجتمعا بدون معرفة وإبداع ماله الفشل في تجاوز ازماته، و ان  للبشرية أن تعيد الاعتبار للتعليم والصحة لضمان استمرار وجودها.
وفي ظل هذه الظروف الصعبة و الاستثنائية ماذا يفعل المبدع؟ وكيف يرى العالم الجديد؟
ضيفنا اليوم هو المبدع الروائي والناقد الدكتور عبد الإله الرابحي ، الذي سيحدثنا عن أجواء القراءة والكتابة في زمن كورونا.
– ما اهمية القراءة في زمن الحجر الصحي؟ وما قراءاتك في ظل هذا الحجر الصحي؟
تحية ثقافية ولكم جزيل الشكر على هذا الاهتمام الذي أوليتموه إلى لموضوع القراءة والكتابة في هذا الظرف الاستثنائي الدقيق الذي تأتي دقته من كونه يشكل بالفعل منعطفا خاصا في سيرورة هذا الكائن المسمى انسانا ٬ والذي أصبح بين عشية وضحاها ملزما بإعادة ترتيب أوراقه ٬ وتغيير رؤيته لذاته وللعالم وللكون . وأكثر المعنيين بذلك أولائك المصابين بلعنة الكتاب بما هم ٬ أكثر من غيرهم ٬ إنصاتا لنبض المحيط وأكثر شغفا بالتحولات وبمنطق التغيير . من هنا تأتي أهمية القراءة باعتبارها الاطلاع الدائم على تجارب الأخرين والاستفسار المستمر عن حيواتهم وهو بطبيعة الحال ما يستجيب لنزعته الاجتماعية ٬فالقراءة من هذه المسلّمة لها أهميتها القصوى بالحجر الصحي وبدونه٬ إذ يكون من باب تحصيل الحاصل القول ان مقياس التقدّم والتخلّف انما يعود لحضور الكتاب أو غيابه ٬ ومن هنا أيضا يكون السؤال عن القراءة والكتابة من الأسئلة الأولى التي تطرح زمن الأزمات واليهما بالضرورة يعود حلّ هذه الأزمات ٬ والدليل على ذلك أن العالم برمته الآن يعلق أمل خروجه من ضائقته بمن هم سخّروا حياتهم للقراءة والكتابة ٬ فهي الرأسمال الحقيقي للشعوب والذي تتوقف عليها كل الراسميل الأخرى ٬ هذا بخصوص الجانب الموضوعي أما بخصوص الجانب الذاتي٬ فالقراءة ٬ بالنسبة لي ٬ هي جوابي اليومي عن معيشي ووجودي. فمن يشتغل بالتدريس يكاد يكون الكتاب قوته اليومي ٬ ويستحيل أن يعلّم اذا لم يكن يتعلّم يوميا ٬ وفي تقديري أن المتعلّم٬ حتى لا أقول المثقف ٬ الجدير بهذه الصفة ٬ هو ذاك الدائم التعلّم المؤمن دوما بنسبية المعرفة ٬ فهو دوما يعيش مختلف أنواع الحجر الا أن مثل هذا الحجر الذي فرض صرامة أكثر في التعاطي مع الخروج الى الشارع سمح لي بالعودة الى بعض المؤلفات التي كنت وعدتها بالرجوع اليها. فمن عنف اللحظة كانت عودتي الى كتاب ” عنف اللغة” لجون جاك لوسيركل ٬ ومن عودتي باستمرار الى التمدد على السرير عدت الى رواية ” سرير الألم ” لزهرة العز” ٬ ومن ضرورة عدم نسيان ما يجري عدت الى رواية ” لا تنس ما تقول ” للروائي شعيب حليفي ٬ ومن سؤال البدايات كلما أوشكت بعض النهايات على الحلول عدت الى ” مقدمة في الأدب العراقي القديم ” لطه باقر ” والبحث في بعض الأساطير القديمة كقصيدة ” الخلق البابلية” …الى جانب بعض الدواوين الشعرية التي وعدت أصحابها بقراءتها والاهتمام بها الا أن منطق “الوقت” حال بيني وبينها ٬ وأصبح يخجلني النظر اليها وهي تستعطفني بحياء وعفة منتظرة حقّها علي على حافة مكتبي .

ـ ما أحوال الكتابة والإبداع والنشر لديكم في ظل هذا الحجر ؟
هي فرصة أيضا للعودة الى بعض المشاريع المؤجلة بوضع اللمسات الأخيرة على بعضها ٬ ووضع تركيب قبلي لبعضها الأخر … فقد أنهيت كتابا شغلني مدّة طويلة يتعلّق بموضوعة ” الحمق ” ٬ وآخر يتعلق ب ” الرحلة الذهنية ” …الى جانب بعض المقالات في مواضيع مختلفة خفيف وزنها ثقيل أجرها …كما يشغلني جدا موضوع أرغب في التعبير عنه من الزاوية النقدية الصرفة ومن الزاوية الإبداعية المحضة. زاويتان لموضوع واحد٬ وأنا الآن بصدد جمع مصادره ومراجعه والتي أريدها أن تكون من نوع خاص لا يحضر فيها البحث الأكاديمي الصرف في أكاديميته  الا بنسبة أقل .كما يشغلني أيضا أدب خاص اجترحت له اسم ” أدب التدوينة” حتى نستثمر جيدا ما ينبغي الاهتمام به في الفضاء الأزرق عوض هذه التفاهات التي أصبحت تستهلكنا ونجد أنفسنا قد نقضي معها وقتا ليس باليسير دون طائل.
– ما رؤيتكم للعالم في ظل زمن كورونا وما بعده؟
يصعب الحديث عن رؤية للعالم في خضم الزوبعة بقدر ما يسهل الحديث بشكل عام عن وضعية التحول المفاجئ الذي وجد الكائن نفسه يعيش تفاصيله دفعة واحدة . فقد حصل ما يمكن أن نسميه ” التغيير بالطفرة ” ٬ أي أن الانسان لا يعيش الآن الا صعوبة التكيف مع المعطيات الجديدة خصوصا وأن هذه المعطيات تمسه في العمق ٬ أقصد تخص غريزة البقاء لديه. فالانسان اليوم هو مهدد بالانقراض . تصوروا معي شخصا يكابد محنة الموت ٬ فلابد وأن أسئلته ستتمحور على الحد الأدنى من المعيشي ٬ أي الاكتفاء بما يسد به الرمق ٬ في حين يظل تعلّقه الأكثر حضورا بالوجودي ٬ أي الإجابة عن سؤال البعث والدار الأخرى والتأرجح بين الترغيب والترهيب . اذن ٬ في تقديري ٬ ان الانسان اليوم يعيش ظرفا حاسما لما بعد الجائحة : فاذا انتصر منطق التحليل العلمي الجاري في المختبرات فسيكون العالم مستقبلا عالما ماديا صرفا ٬ وهوما يعضده منطق المؤامرة ٬ وأما اذا فشل ٬ فسيعود العالم الى الوراء بآلاف السنين لتبعث من جديد أساطير ضاربة في عمق التاريخ ٬ ويبدأ العالم من جديد دورته المألوفة نحو تقدم آخر في انتظار جائحة أخرى تعيد دوما عقارب الساعة الى الوراء . فالصراع اليوم هو بين هذين المنحيين فلمن ستكون الغلبة ؟َ! .

قم بكتابة اول تعليق

اترك رد