موند بريس / بقلم: ذ عبد الله بوحنش
في عهدٍ كثر فيه “حُرَّاسُ الهوية” وتَناسلَ فيه دُعاة التصنيف والتخندق، وفي غمرة جدلٍ عقيم لا ينتهي حول الأصل والفصل واللغة، جاء الدرسُ البليغ من حيث لا يحتسب المنظرون، من مستطيلٍ أخضر تذوب فوقه كل النظريات الأيديولوجية الضيقة، لتُكتب بدلاً منها وطنيةٌ جديدة لا تُلقّن في صالونات النخب، ولا تُقاس بـ”صكوك الغفران” اللغوية، بل تُعمّد بالعرق والدموع والتضحيات، ليقدم المنتخب المغربي المعاصر مفهومًا ثوريًا للوطنية الحقة، واضعًا حدًا لمزايدات عتيقة سكنت طويلاً عقول العاجزين. وإذا تأملنا البنية البشرية لأسود الأطلس، سنصطدم بحقيقة رقمية وديموغرافية دامغة، وهي أن أغلب هؤلاء اللاعبين وُلدوا ونشؤوا خارج الجغرافيا المغربية، وترعرعوا في حواضر أوروبية، وتلقوا تعليمهم بلغات أجنبية، بل إن فئة واسعة منهم لا تتقن العربية الفصحى، ولا تجري على ألسنتهم الدارجة، ولا يملكون في رصيدهم اللغوي حروف الأمازيغية، وهنا تسقط، وبضربة قاضية، كل الأطروحات الإقصائية، وتتفنّد تلك النظرات المتطرفة التي تحاول حشر المغرب في زاوية الانغلاق والتعصب للجذور النقيّة، مثلما تسقط في المقابل تلك الأصوات التي تتباكى على الامتداد القومي الزائف وتجعل من إتقان لغةٍ ما شرطًا وحيدًا للمواطنة، وكأن حب الوطن يتوقف على مخارج الحروف وقواعد النحو.
والحجة الدامغة هنا، أنه لو كانت الوطنية لغةً منطوقة، لكان هؤلاء اللاعبون فرنسيين، أو هولنديين، أو إسبان، أو بلجيكيين، ولو كانت الوطنية مصلحةً مادية ورياضية، لاختاروا تمثيل بلدان النشأة حيث المجد الكروي الأسهل والمنظومة الأقوى، لكنهم اختاروا المغرب، واختاروا الانتماء للتراب والجذور والذاكرة، فحين يُستدعى اللاعبون لمعسكر المنتخب، تختفي بقرارٍ سيادي من القلوب كل الصراعات المفتعلة، فلا أحد يسأل زميله إن كان عربيًا أم أمازيغيًا، ولا أحد يفتش في جينات الآخر، ولا أحد يحمل معه مقياس الفصاحة، بل يتحدث الجميع هناك لغةً واحدة موحدة، هي لغة المغرب؛ لغة الاستماتة حين يقطع لاعب آلاف الكيلومترات ويخاطر بمسيرته الاحترافية حماية لمرمى وطنه، ولغة الوفاء للذاكرة حين ترى لاعباً نشأ في شوارع أمستردام أو باريس يركض باحثاً عن والدته ليُقبل رأسها أمام كاميرات العالم في مشهد يختزل قيم التربية المغربية الأصيلة، ولغة الفخر بالشعار حين تبكي الأعين وتتحشرج الأصوات أثناء عزف النشيد الوطني بألسنةٍ قد تتعثر في نطق الكلمات، لكن قلوب أصحابها تنبض بإيقاع النشيد حرفاً بحرف.
إن هؤلاء الشباب أثبتوا أن الوطنية ليست امتحاناً أكاديمياً، بل هي شعورٌ بالانتماء، ووفاءٌ للجدات والآباء، واعتزازٌ بالهوية الجينية والحضارية التي لا تمحوها حداثة الغرب ولا لغات المهجر، والدرس الأكبر الذي يجب أن يستوعبه تجار الهويات من ملحمة المنتخب، هو أن قوة المغرب التاريخية لم تكن يوماً قائمة على أحادية الهوية، بل على عبقرية الانصهار، فالمغرب ليس حكراً على عرق، وليس سجيناً للغة دون أخرى، بل هو الفضاء الرحب والمصب النهائي لروافد متعددة من أمازيغية، وعربية، وحسانية، وإفريقية، وأندلسية، وعبرية، ومتوسطية، وقوته تكمن في تحويل هذا التنوع إلى لوحة متكاملة، لا إلى ساحة حرب وإلغاء. وحين رفع بونو وحكيمي وأمرابط وزياش راية المغرب عالياً، لم يلتفت المغاربة من طنجة إلى الكويرة إلى فصاحتهم اللغوية، بل تطلعوا إلى “تمغربيت” الكامنة في أدائهم، ورأوا فيهم تجسيداً للوطن الذي يتسع للجميع أينما وُلدوا وأي اللغات تكلّموا، ليكون هذا المنتخب قد نجح في تحقيق ما عجزت عنه النقاشات السياسية والسجالات الفكرية العقيمة، وحوّل الأمة حول فكرةٍ بسيطة وفلسفية في آنٍ واحد: الوطن أوسع من الألسن، وأعمق من الأعراق، وتلك هي الوطنية الحقة التي يجب أن نورثها للأجيال القادمة؛ وطنية لا تبحث عن الفوارق لتفجيرها بل عن المشتركات لتبني عليها، وتدرك أن الانتماء ليس ما تنطق به الشفاه في لحظات الرخاء، بل ما تبذله السواعد والقلوب في لحظات التحدي، بعد أن علمنا المنتخب المغربي أن نختلف في الألسن، وتتعدد بنا السبل والمواطن، لكننا في النهاية ننحني لراية واحدة، وننتمي لأرض واحدة، وننطق بضميرنا الجمعي بلغةٍ واحدة لا تحتاج إلى ترجمان… لغة المغرب.
قم بكتابة اول تعليق