موند بريس :
على الرغم من تبعية الحرس الملكي للقوات المسلحة المغربية، فإنه يبقى جهازا ضاربا في القدم ومرتبطا بتاريخ تعاقب السلاطين والملوك بالمغرب. فتاريخ الحرس الملكي يرتبط ارتباطا وثيقا بتاريخ الدولة المغربية بدءا من الأدارسة مرورا بالمرابطين والموحدين ثم المرينيين وصولا إلى السعديين والعلويين. وقد كان اسم المؤسسة عبر العصور تحت إسم الحرس الأسود إلى الحرس الشريف ثم إلى الحرس الملكي الأن وتأثر في كل مرحلة بتأثيرات دول أجنبية حصل معها التلاقي والتواصل؛ فكان التأثير العثماني بارزا في المرحلة الأولى ليعوض بالتأثيرين الفرنسي والانجليزي في المرحلة الثانية ولينطبع بهويته المستقلة وخصوصيته المغربية في مرحلة ثالثة.
فقد نشأ الحرس الملكي مع بداية تأسيس الدولة المغربية على يد المولى ادريس الأول ليحيط بعده المولى ادريس الثاني نفسه بحرس انتقى واختار أفراده بعناية بالغة؛ فكان ذلك بمثابة البدايات الأولى لبروز حرس خاص بالسلاطين الذين تعاقبوا على اعتلاء عرش المملكة، وقد اختار المرابطون لأنفسهم الحرس الأسود أبلا بلاء حسنا في معركة الزلاقة. كما اتخذ الموحدون أيضا لأنفسهم حرسا تشكل أساسا من جنود سود بواسل دافعوا على الأمير حتى الرمق الأخير.
أما في عهد المرينيين فقد حافظ الحرس على تركيبته الأساسية من عناصر سود اعتبرهم المؤرخون بمثابة نواة الحرس الأسود لسلاطين المغرب، بالرغم من وجود عناصر أجنبية من أكراد ومليشيات مسيحية داخله. أما السعديون الذين أسسوا جيشا على الطراز العثماني بلغ قمته بالانتصار التاريخي على البرتغاليين في معركة وادي المخازن، فقد أحاطوا أنفسهم أيضا، وخاصة السلطان المنصور الذهبي صاحب هذا الانتصار، بحرس تشكل من أندلسيين وأتراك ومسيحيين، وتميز بروعة لباسه.
وفي عهد العلويين أصبحت هذه المؤسسة التاريخية مؤسسة قائمة بذاتها؛ إذ قام السلطان مولاي اسماعيل بتأسيس جيشه الخاص المكون أساسا من عبيد البخاري الذين أقسموا على صحيح البخاري ليصبحوا بذلك موردا أساسيا في اختيار حرس السلاطين. ويمكن تشبيه عبيد البخاري الذين شكلوا الحرس الأسود للملوك العلويين بجيش الإنكشارية العثماني، الذي يعد من أقدم وحدات الحرس في العالم.
وبعد وفاة المولى إسماعيل، فقد جيش البخاري قوته وهيبته العسكرية، بسبب إضعافه من طرف سيدي محمد بن عبد الله الذي شتت فرقه، في حين تم الاحتفاظ بفرق أوكلت لها مهمة الدفاع عن أفراك السلطان، والخدمة ضمن حناطي القصور السلطانية؛ حيث تم في إطار الإصلاحات التي قام بها السلطان المولى الحسن لإعادة هيكلة الجيش المخزني، تخصيص هذا الحرس بلباس خاص على الطراز التركي، عادة ما يتكون من سروال أخضر أو أزرق، وبدعية ومعطف أحمر ونعال بنية وطربوش أحمر.
وفي عهد السلطان مولاي يوسف تمت إعادة هيكلة الحرس الأسود، فصار يتكون من وحدة للمشاة تضم فرقة موسيقية وكتيبة من الخيالة وجوقة نحاسية وفصيل سلاح المدفعية؛ حيث أصبح يطلق عليه الحرس الشريف الذي يجمع بين الأصالة التي تنهل جذورها من تراث الأسلاف والمعاصرة التي تمتح من راهن العصر.
وفي عهد الملك الراحل محمد الخامس اتخذت هذه المؤسسة مسمى الحرس الملكي، وأصبحت وحدة ضمن صفوف القوات المسلحة تقوم بمرافقة الموكب الملكي في تنقلاته وزياراته إلى مدن والأقاليم. كما كانت تقوم فرق الحرس الملكي أيضا بأداء مراسيم التحية الرسمية للملك خلال رئاسته لبعض التظاهرات الدينية والرسمية
وقد صدر ظهيرا شريفا من طرف جلالة المغفور له الحسن الثاني سنة 1963 بشأن الحرس الملكي وإعادة هيكلته حيث جاء في مقتضيات هذا الظهير، { الحرس الملكي هيئة عسكرية من جيشنا الملكي موضوعة مباشرة وبصفة خاصة تحت سلطة جنابنا العالي بالله، وتجري عليها مع مراعاة لمقتضيات الظهائر الشريفة والأنظمة المطبقة على القوات المسلحة الملكية، الفصل الأول من الظهير الشريف رقم 230-63-1 بتاريخ 21 جمادى الثانية 1303 الموافق ل 9 نونبر 1963 م }
وبالتالي، فالحرس الملكي يبقى هو الجهة العسكرية الأساسية الملتصقة بالمؤسسة الملكية التصاقا وثيقا يتجسد خاصة في تأمين الحماية للمنشآت والأضرحة والرموز الخاصة بالملك. كما يقوم بمختلف الاستقبالات الملكية، ومرافقة الأنشطة الملكية، وإحياء الاحتفالات الملكية.
إن المراسيم السياسة تتطلب دائما وجود مجال للسلطة تمارس فيه هذه المراسيم. وغالبا ما يقتصر هذا المجال على الحيز الذي يتحرك فيه الملك أو الرئيس أو الأمير أو الإمبراطور بشكل منتظم. لذا، فغالبا ما يقتصر هذا المجال على المكان الذي يتواجد فيه صاحب السلطة. وبالتالي فعادة ما يتميز هذا المجال بأنه مجال مراسيمي بامتياز؛ حيث يخضع لمجموعة من القواعد والضوابط البروتوكولية.
وفي هذا السياق، يعتبر القصر الملكي المجال الأساسي الذي يتحرك فيه الملك، ويتخذ فيه قراراته السياسية، ويستقبل فيه مختلف مكونات النخب العسكرية والمدنية ويوجه من داخله خطبه للأمة، ويؤدي بين جنباته شعائره واختصاصاته الدينية كأمير للمؤمنين. فالقصر الملكي أو { دار المخزن } هو المجال المركزي الذي تتبلور فيه ثقافة الحكم؛ حيث من هذا المجال تنتقل كل قواعد الطاعة والحكم
وبالتالي، فعادة ما تحاط قصور الملكية بحراسة مشددة من طرف بعض الفرق العسكرية والحرس الملكي عادة ما تسند حراسة القصور إلى عدة وحدات عسكرية وأمنية متنوعة، من القوات المسلحة الملكية والدرك الملكي ومظليين بالإضافة إلى فرق الحرس الملكي التي تتكلف بتأمين هذه الحراسة، خاصة ما وراء أسوار القصر. فالحرس الملكي يعتبر مكونا أساسيا من مكونات المحيط الملكي وجزء من ديكوره الداخلي؛ حيث تنتشر فرق هذا الحرس في مختلف أنحاء القصر الملكي في حين تربض فرق أخرى من الحرس الملكي أمام البوابات الكبرى للقصور الملكية. وخلال قيامها بهذه المهام، تلتزم فرق الحرس الملكي بتأدية التحية العسكرية لدى خروج الملك من القصر أو دخوله إليه سوف نعود الى هذا الموضوع في عدد الثاني
قم بكتابة اول تعليق