موند بريس/ بقلم / عبدالله بناي
نختلف بحال من الأحوال في أن حب المال حقيقة إنسانية وواقع بشري . لكن يبدو أنه يفوق عند البعض من مسؤولينا كل التقديرات ، ويتعدى كل الحدود المسموحة بها إلى حد تحوّل من كونه أحد وسائل استتباب الحياة ، إلى إله معبود يعسر التعامل معه وتوظيفه ايجابيا كنعمة وحق مشروع ، يفترض التمتع به وتقاسمه مع الآخرين بالقدر المتاح ، والإمكانية المعقولة والتي تفرضها العدالة والمساوة والحكامة. يبالغ الكثيرون في عبادته وتمجيده وكنزه ، فيتحول إلى قيد أعمى وسلاسل خانقة معرقلة لكل سبل التنمية ، تنقلب معها موازين الحياة ، ومكاييل المنطق، ومقاييس الضمير ، ويتم تغليف القيم والأخلاق الإنسانية بما يتناسب والطمع الذي طغى على هذه العينة من الإنسان ، الذي يبالغ في عبادة المال بادخاره وكنزه إلى درجة أكل الإنسان أخاه بمسميّات مختلفة وذرائع زئبقيّة مقنعا نفسه بأنّ ما يفعله حنكة وحذاقة لا يتقنها الكثيرون ، فينتفي بذلك الصدق ، وتموت روح الصفاء، وتختنق المودة، وتحل الحسابات القائمة على المصالح المادية المجرّدة من العواطف حتى بين من كلفوا بتدبير شأنهم ، لأن للمال قدرة خطيرة على استيطان مراكز التفكير والوعي واللاوعي، واختراق العقل وتجميد القلب والحس الإنساني الصافي ، وتغييب الضمير والمنطق، وتحويل الإنسان إلى ما يشبه الروبوهات المتطورة التي لا تخرج عن المسارات المحددة والخطوات المطلوبة منها، فتعمل بكل طاقاتها وقدراتها المكرّسة والمسخرّة لخدمة سيد واحد لا شريك له ، هو المال وسقطت عنده كل الحسابات إلا المادية ، لأنّ المادة حين تطغى على نسق وأسلوب الحياة ومنهجية التفكير وترتيب الأولويات ، تجمّد دفء العلاقات الإنسانية ، وتقتل فيها الصدق والعفوية و روح الصفاء .
وقد يفقد عبد المال السيطرة أو التحكم في أفكاره وتصرفاته التي لا تصب إلا في مجرى واحد ووحيد هو جمع المزيد وتحصيل ما أمكن حتى لو سرق خبز الآخرين تحت مسميّات اجتماعية أو فكرية أو سياسية…لا يهم المسمى المهم النتيجة، فهو يتمسك بما يتناسب وشهيته التي لا تعرف الشبع أو التخمة ، ومقدار طمعه الذي تعدى حدود الشرع والضمير والعدالة والمساواة، فيحلل ما شاء، ويحرّم ما جاء متعارضا مع هدفه، ويسنّ القوانين التي يؤيد سلوكه ، ولا يهمه أن يتجرّع الآخرون مرارة الألم والجوع والضر والإحساس بالغبن مادامت خزائنه قد امتلأت … هناك في بلادنا الكثير من هذا الصنف المتنفذين من الناس نشأوا نشأة عادية، وعاشوا حياة أقل من عادية إلى أن ابتسم لهم الحظ فصاروا أثرى الأثرياء ، يسكنون القصور ويقضون أجازاتهم في المنتجعات السويسرية والشواطئ الباريسية .
فهل يجرم الشعب عندما يطالب بإلغاء كل أنواع الريع وعلى رأسه معاشات الوزراء والبرلمانيين ، وهل يحلم المواطن المقهور حينما يطالب بالتدقيق في أملاك بعض هؤلاء الذين تمرغوا في ثروات البلاد
سؤال نوجهه للجهات الرقابية والإصلاحية في البلاد التي ستظل يدها مغلولة عن محاسبة هؤلاء وغيرهم في غياب تشريع »من أين لك هذا؟« الذي لم يطرح بجدية بعد، رغم أهميته والحاجة إليه. كيف يعقل أن وباء كورونا أصبح ينتشر بسرعة فائقة ، وبعض الشركات لا زالت تشتغل خصوصا التي تشتغل فيها النساء غير مبالين بخطورة الوضع ، والدليل أن هذه الشركات بؤرا للعدوى وتنتقل الى العائلات . لقد حان الوقت لردع هؤلاء الانتهازين الذين لايرون الا ارباحهم الصافية على صحة العمال والعاملات غير آهبين بخطورة الموقف والأيام العصيبة التي تمر بها البلاد ، بل أصبح همهم الوحيد هو المحافطة على ثرواتهم . فهل يعقل أن مدينة الدارالبيصاء هى البؤرة الخطيرة التي تتواجد بها اكبر عدد المصابين بفيروس كورونا وتعتبر الأولى على الصعيد الوطني ، ولازالت بها معامل ومصانع تشتغل كعادتها كأن الحياة عادية وطبيعية ، واذا اشتكى أي عامل او عاملة مصيره الطرد والتشطيب. لقد وصل السيل الزبى وكل واحد يتحمل مسؤوليته . الوزارة الوصية على القطاع وجب عليها أن تتخد قرارات صارمة لاغلاق هذه المصانع لأنها لم تلتزم بالحجر الصحي التي اعلنت عليه الحكومة.
قم بكتابة اول تعليق